تداعيات الحرب الإقليمية على الاقتصاد والمعيشة في سورية
مع اتساع رقعة الحرب في المنطقة نتيجة عدوان الولايات المتحدة و«إسرائيل» على إيران، بدأت تداعياتها الاقتصادية تظهر بسرعة في العديد من دول الشرق الأوسط. إلا أن أثرها يبدو أكثر حدة في سورية بسبب هشاشة الاقتصاد وتدهور الأوضاع المعيشية المستمر. فاقتصاد يعاني أساساً من ضعف الإنتاج وتراجع القدرة الشرائية وارتفاع معدلات الفقر يصبح أكثر عرضة للصدمات الخارجية عندما تندلع الأزمات الإقليمية.
اقتصاد هش أمام صدمة إقليمية
يعتمد الاقتصاد السوري بدرجة كبيرة على الاستيراد لتأمين الطاقة والعديد من السلع الأساسية والمواد الأولية. ومع اندلاع الحرب وما رافقها من اضطرابات في حركة التجارة وارتفاع أسعار الطاقة والشحن والتأمين البحري، بدأت تكاليف الاستيراد بالارتفاع بشكل ملحوظ، وهو ما ينعكس مباشرة على السوق المحلية عبر موجة جديدة من التضخم وارتفاع الأسعار.
كما أن أي ارتفاع عالمي في أسعار النفط والغاز ينعكس سريعاً على تكلفة النقل والإنتاج والكهرباء داخل سورية، ما يؤدي بدوره إلى ارتفاع أسعار الغذاء والسلع الأساسية. ومع ضعف قيمة العملة المحلية أصلاً، فإن هذه الزيادة تصبح مضاعفة بالنسبة للمستهلك السوري.
إضافة إلى ذلك، فإن التوترات العسكرية في المنطقة تضعف حركة التجارة والنقل الجوي والبحري، ما يؤدي إلى تأخر وصول البضائع وارتفاع تكاليفها، ويزيد من احتمال حدوث نقص في بعض المواد الأساسية.
سياسات التحرير الاقتصادي في مواجهة الأزمة
تأتي هذه التطورات في وقت تستمر فيه السياسات الاقتصادية القائمة على توسيع دور السوق وتقليص الدور المباشر للدولة في النشاط الاقتصادي، تحت عناوين مثل تحرير الأسعار وتشجيع المنافسة والخصخصة. ورغم أن تبني هذه السياسات أتى تحت عنوان الإصلاح الاقتصادي، فإن تطبيقها في ظل اقتصاد هش وأزمة إقليمية واسعة سيزيد من الضغوط الاجتماعية والمعيشية.
فالاعتماد على آليات السوق وحدها في تحديد الأسعار وتوزيع الموارد قد يؤدي في مثل هذه الظروف إلى تسارع التضخم واتساع الفجوة بين الدخول والأسعار، وزيادة العبء على الفئات المفقرة وذات الدخل المحدود. كما أن إنهاء الدعم الحكومي للسلع والخدمات الأساسية في أوقات الأزمات يترك شريحة واسعة من المجتمع أمام صعوبات معيشية متزايدة.
ومن هنا، يصبح من الضروري إعادة التوازن بين دور السوق ودور الدولة، خاصة عندما يتعلق الأمر بالأمن الغذائي والطاقة والخدمات الأساسية.
آثار مباشرة على معيشة السوريين
النتيجة الأكثر وضوحاً لهذه التطورات هي تراجع القدرة الشرائية للمواطنين. فارتفاع أسعار الغذاء والوقود والنقل ينعكس على كل تفاصيل الحياة اليومية، من تكاليف المواصلات إلى أسعار الخبز والخضار والمواد الأساسية.
كما أن ارتفاع تكاليف الإنتاج قد يدفع بعض المنشآت الصغيرة والمتوسطة إلى تقليص نشاطها أو التوقف مؤقتاً وربما نهائياً، ما ينعكس على فرص العمل والدخل. ومع وجود غالبية من الأسر التي تعيش أصلاً عند حدود الفقر أو دونه، فإن أي موجة تضخم جديدة قد تدفع مزيداً من الأسر إلى أوضاع معيشية أكثر صعوبة.
إجراءات عاجلة للحد من آثار الأزمة
في ظل هذه الظروف الاستثنائية، تصبح الحاجة ملحة لاتخاذ إجراءات اقتصادية عاجلة تهدف إلى تخفيف أثر الأزمة على المجتمع والاقتصاد. ومن أبرز هذه الإجراءات:
تعزيز الأمن الغذائ؛ دعم الإنتاج الزراعي عبر تأمين مستلزمات الإنتاج للمزارعين مثل الوقود والبذار والأسمدة بأسعار مدعومة، إضافة إلى شراء المحاصيل الاستراتيجية بأسعار تشجيعية لضمان استمرار الإنتاج.
تأمين الطاقة والوقود؛ العمل على تكوين مخزون من المشتقات النفطية قدر الإمكان وتنويع مصادر الاستيراد، إضافة إلى تسريع الاستثمار في الطاقة المتجددة لتخفيف الضغط على قطاع الكهرباء.
ضبط الأسواق ومنع الاحتكار؛ تفعيل الرقابة على الأسواق لمنع المضاربة وارتفاع الأسعار غير المبرر، خاصة في السلع الأساسية.
حماية القدرة الشرائية؛ اتخاذ إجراءات لتعويض جزء من تآكل الدخول مثل زيادة الرواتب أو تقديم تعويضات معيشية، وتوسيع برامج الدعم للفئات الأكثر ضعفاً.
دعم الإنتاج المحلي؛ تشجيع الصناعات المحلية، خاصة الغذائية والدوائية، عبر تسهيلات ضريبية وتمويلية لتقليل الاعتماد على الاستيراد.
إدارة الاستيراد والقطع الأجنبي؛ إعطاء الأولوية لاستيراد السلع الأساسية والمواد الأولية اللازمة للإنتاج، وتقليص استيراد السلع الكمالية التي تستنزف الموارد المحدودة من العملات الأجنبية.
نحو استراتيجية اقتصادية وطنية للاعتماد على الذات
غير أن التعامل مع تداعيات الحرب لا ينبغي أن يقتصر على إجراءات إسعافية قصيرة الأجل. فالحرب بدأت بالفعل، لكن من غير المعروف متى ستنتهي، كما أن آثارها على الاقتصاد العالمي وأسواق الطاقة والتجارة الدولية قد تستمر إلى فترة طويلة حتى بعد توقف العمليات العسكرية.
لذلك يصبح من الضروري أن تتبنى الحكومة استراتيجية اقتصادية وطنية طويلة المدى تهدف إلى تخفيف حدة التداعيات والتكيف مع آثارها الممتدة والمتسعة، بالاعتماد بدرجة أكبر على الإمكانات الذاتية للاقتصاد الوطني.
وتقوم هذه الاستراتيجية على عدة محاور أساسية، من أبرزها تعزيز الإنتاج المحلي في الزراعة والصناعة، وتقليل الاعتماد على الاستيراد قدر الإمكان، وتوجيه الموارد نحو القطاعات الإنتاجية، إضافة إلى إعادة الاعتبار لدور الدولة في التخطيط الاقتصادي وحماية القطاعات الاستراتيجية.
كما أن تطوير سلاسل الإنتاج المحلية وتشجيع المشاريع الصغيرة والمتوسطة يمكن أن يسهم في خلق فرص عمل جديدة وتعزيز قدرة الاقتصاد على الصمود في مواجهة الصدمات الخارجية.
اقتصاد أكثر قدرة على الصمود
إن الأزمات الكبرى غالباً ما تكشف نقاط الضعف في البنى الاقتصادية، لكنها في الوقت نفسه تفتح المجال لمراجعة السياسات القائمة. وفي الحالة السورية، قد تشكل الحرب الإقليمية الحالية فرصة لإعادة التفكير في النموذج الاقتصادي بما يحقق توازناً أفضل بين دور السوق ودور الدولة، ويعطي الأولوية للإنتاج والأمن الغذائي والاستقرار الاجتماعي.
فالهدف في نهاية المطاف ليس تجاوز تداعيات الحرب الحالية فقط، بل بناء اقتصاد أكثر قدرة على الصمود في مواجهة الأزمات الإقليمية والدولية، بما يخفف من أثر التقلبات الخارجية على حياة السوريين ومستوى معيشتهم.
معلومات إضافية
- العدد رقم:
- 1268