مزايدات الباصات الكهربائية في دمشق... إعلانات مقتضبة وأسئلة كبيرة بلا إجابات

مزايدات الباصات الكهربائية في دمشق... إعلانات مقتضبة وأسئلة كبيرة بلا إجابات

أعلنت الشركة العامة للنقل الداخلي في محافظة دمشق بداية آذار 2026 عن ثلاث مزايدات لتشغيل خطوط نقل بباصات تعمل على الكهرباء، تشمل خطوط (سومرية– كراجات) بـ50 باصاً، و(مهاجرين– صناعة) بـ70 باصاً، و(باب توما– جسر الحرية) بـ30 باصاً، ولمدة عقد تصل إلى عشر سنوات. من حيث المبدأ، يبدو إدخال الباصات الكهربائية إلى منظومة النقل العام خطوة متقدمة ومطلوبة، سواء من ناحية الحد من التلوث أو تحسين مستوى الخدمة. لكن قراءة متأنية لهذه الإعلانات تكشف أنها أقرب إلى نصوص مختصرة ومربكة منها إلى وثائق طرح جادة لمشاريع نقل كبيرة، وهو ما يفتح الباب أمام تساؤلات حقيقية حول الشفافية والجدية في إدارة هذا الملف.

أول ما يلفت النظر في هذه الإعلانات هو الفقر الشديد في المعلومات. فالمشاريع المطروحة تتحدث عن تشغيل عشرات الباصات الكهربائية لمدة عشر سنوات، أي عن استثمار ضخم بكل المقاييس، ومع ذلك فإن الإعلان لا يقدم أي تفاصيل فنية حقيقية يمكن أن تساعد المستثمرين أو حتى الرأي العام على فهم طبيعة المشروع.

فلا توجد أي إشارة إلى مواصفات الباصات المطلوبة، ولا سعتها، ولا مداها الكهربائي، ولا معايير السلامة أو الصيانة. كما لا يوجد أي توضيح يتعلق بالبنية التحتية اللازمة لتشغيل هذا النوع من النقل، وعلى رأسها محطات الشحن الكهربائية.
من سيتولى إنشاء هذه المحطات؟ ومن سيتحمل كلفتها؟ وهل الشبكة الكهربائية الحالية قادرة أصلاً على تزويد عشرات الباصات بالطاقة اللازمة يومياً؟ كل هذه الأسئلة الجوهرية غائبة تماماً عن الإعلانات.
الجانب المالي لا يبدو أفضل حالاً. فالتأمينات الأولية المحددة للمزايدة تبلغ 500 ألف ليرة سورية جديدة، أي ما يعادل 50 مليون ليرة بالعملة القديمة. وبالنظر إلى أن المشروع يتحدث عن تشغيل ما بين 30 و70 باصاً كهربائياً، فإن هذا الرقم يبدو بعيداً تماماً عن الواقع الاقتصادي للمشروع. فتكلفة الباص الكهربائي الواحد قد تصل إلى مئات آلاف الدولارات في الأسواق العالمية، ما يعني أن الاستثمار الإجمالي المحتمل قد يبلغ مليارات الليرات السورية، وربما أكثر. في مثل هذه المشاريع الكبيرة، عادة ما تُفرض تأمينات أولية مرتفعة لضمان جدية المتقدمين، أما تحديدها بهذا المستوى المتواضع فيوحي وكأنها مجرد إجراء شكلي لا أكثر.

واللافت أيضاً أن الإعلانات تكرر عبارة مفادها أن محافظة دمشق لن تتقاضى أي عوائد استثمار من العارض الفائز بهدف «تحسين الخدمة وخفض التعرفة». غير أن هذه العبارة، رغم جاذبيتها الظاهرية، تطرح بدورها سلسلة من الأسئلة التي لا يجيب عنها الإعلان. فإذا كانت المحافظة لن تحصل على أي عائد، فما هو النموذج المالي الذي سيعتمد عليه المستثمر لتحقيق أرباحه؟ وهل ستكون التعرفة محددة مسبقاً أم متروكة لآليات السوق؟ وما هي الضمانات التي تمنع رفع الأسعار لاحقاً؟ إن غياب أي إطار مالي واضح يجعل المشروع يبدو غامضاً من أساسه.

إلى جانب كل ذلك، تبرز مسألة المهل الزمنية المحددة لتقديم العروض، والتي تبدو قصيرة بشكل يثير الاستغراب. فالمشاريع التي تتضمن تشغيل أسطول من الباصات الكهربائية تحتاج عادة إلى دراسات تفصيلية تشمل حسابات الجدوى الاقتصادية، ودراسة المسارات، والتواصل مع الموردين، وربما ترتيب التمويل. إنجاز مثل هذه التحضيرات خلال فترة محدودة بين الإعلان (بداية آذار) وموعد تقديم العروض (29 آذار) يكاد يكون مستحيلاً لأي شركة لم تكن مطلعة مسبقاً على تفاصيل المشروع. وهذا الأمر يفتح الباب على مصراعيه أمام الشكوك بأن هذه المزايدات قد تكون في الواقع مصممة سلفاً بما يناسب مستثمراً بعينه، فيما يأتي الإعلان العلني لاحقاً كإجراء شكلي أكثر مما يكون دعوة فعلية لمنافسة مفتوحة.

لكن ربما السؤال الأكثر حساسية الذي تجاهلته الإعلانات تماماً يتعلق بمصير منظومة النقل القائمة حالياً، وبشكل خاص السرافيس العاملة على الخطوط المستهدفة. فهذه الخطوط ليست فارغة بطبيعة الحال، بل تعمل عليها مئات المركبات التي تشكل مصدر رزق مباشر لعدد كبير من السائقين والمالكين، إضافة إلى آلاف الأسر التي تعتمد عليها في معيشتها. ومع ذلك، لم تتطرق محافظة دمشق في أي مكان- لا في الإعلانات ولا في أي توضيحات مرافقة- إلى مصير هذه السرافيس. هل سيتم إلغاؤها بالكامل بعد تشغيل الباصات الكهربائية؟ أم سيتم تخفيض عددها فقط؟ وإذا كان الأمر كذلك، فما هي الآلية التي ستعتمد؟ ومن سيتحمل كلفة هذا التحول؟

إن تجاهل هذا الملف ليس تفصيلاً ثانوياً. فكل سرفيس في دمشق يمثل غالباً مصدر دخل لأكثر من عائلة، وفي كثير من الحالات يكون مالكه قد استثمر مدخراته أو اقترض لشراء المركبة والعمل عليها. أي قرار بإلغاء هذه الخطوط أو تقليصها دون خطة واضحة للتعويض أو الدمج في المنظومة الجديدة قد يعني عملياً دفع مئات العائلات إلى خسارة مصدر رزقها الوحيد.

والأكثر إشكالية أن هذا التحول- إذا كان سيحدث فعلاً- يتم طرحه عبر إعلانات مقتضبة لا تتجاوز بضعة أسطر، دون أي نقاش عام أو دراسة معلنة لآثاره الاقتصادية والاجتماعية. وهذا ما يعزز الانطباع بأن المسألة تُدار بطريقة فوقية، حيث يتم اتخاذ قرارات كبيرة تمس قطاعاً واسعاً من العاملين في النقل دون تقديم أي رؤية واضحة حول تداعياتها.

في المحصلة، لا تكمن المشكلة في فكرة إدخال الباصات الكهربائية بحد ذاتها، بل في الطريقة التي يجري بها طرح المشروع. فالإعلانات الحالية تبدو أقرب إلى نصوص إجرائية مختصرة منها إلى وثائق شفافة لمشروع نقل استراتيجي.
فغياب التفاصيل الفنية، والغموض المالي، وضآلة التأمينات الأولية، وضيق المهل الزمنية، وتجاهل مصير منظومة السرافيس القائمة، كلها عناصر تجعل هذه المزايدات تبدو وكأنها مطبوخة سلفاً أكثر مما هي دعوة حقيقية لمنافسة عادلة.
وفي مشاريع بحجم وتأثير النقل العام في مدينة كدمشق، فإن الحد الأدنى المطلوب ليس مجرد إعلان مقتضب، بل رؤية واضحة ومعلنة تشرح كيف سيجري الانتقال إلى النظام الجديد، ومن سيدفع كلفته، ومن سيستفيد منه، ومن سيتحمل خسائره. من دون ذلك، ستظل هذه الإعلانات تثير الشكوك أكثر مما تبعث على الثقة.

معلومات إضافية

العدد رقم:
1268