وزارة الاقتصاد والصناعة تقدم تقريرها عن أعداد المنشآت الصناعية... انتعاش حقيقي أم أزمةٌ أعمق؟
فرح شرف فرح شرف

وزارة الاقتصاد والصناعة تقدم تقريرها عن أعداد المنشآت الصناعية... انتعاش حقيقي أم أزمةٌ أعمق؟

يُمثّل التقرير الصادر عن وزارة الصناعة والاقتصاد، الذي نشرت تفاصيله صحيفة «الثورة السورية» في 23 شباط، محاولة رسمية لرصد بنية القطاعين الصناعي والحرفي.

إلا أن قراءة معمّقة للبيانات، وفي ضوء ما عبّر عنه عدد من الصناعيين، تكشف أن المشهد الاقتصادي أكثر تعقيداً مما توحي به الأرقام. فالبيانات تعكس «قاعدة عريضة» من النشاط، لكنها في الوقت ذاته تخفي مؤشرات خطِرة على هشاشة هذا القطاع (الصناعي والحرفي) وغياب رؤية تنموية استراتيجية ومستدامة.


الأرقام... بين الكم والكيف


يُظهر التقرير وجود 128,549 منشأة صناعية وحرفية، منها نحو 81 ألف منشأة عاملة (63%). للوهلة الأولى، تبدو النسبة مقبولة، لكنها تعني أن واحدة من كل ثلاث منشآت مسجلة رسمياً متوقفة عن العمل، وهي نسبة مرتفعة.
يُلاحظ في التقرير أيضاً هيمنة القطاع الحرفي (نحو 60 ألف ورشة/منشأة عاملة)، ما يؤكد على دور المشاريع الصغيرة ومتناهية الصغر في امتصاص البطالة وتلبية احتياجات السوق المحلية، خاصة في قطاعي الغذاء والهندسة.
حيث تشكل مهن مثل الحدادة، وورش صيانة السيارات، والنجارة، إلخ. ما نسبته أكثر من 61% من إجمالي القطاع الحرفي، ما يعكس اقتصاداً يقوم على الخدمات والصيانة أكثر من التصنيع.
فيما تبلغ نسبة القطاع الغذائي الحرفي 15% تقريباً، وهو قطاع «صامد» بفضل الطلب المحلي.
أما القطاع الكيميائي الحرفي (الدهانات، المنظفات، المواد البلاستيكية البسيطة) فهو الأكثر تتضرراً. حيث تتجاوز فيه نسبة الأعمال المتوقفة 55,6% نسبة العاملة منها 44,4%. وهذا مؤشر خطِر على وجود أزمة حادة في مستلزمات الإنتاج وإغراق للأسواق بالاستيراد.


بين الأرقام والواقع


لا تُشكل المنشآت الصناعية سوى 26,18% من إجمالي عدد «المنشآت» العاملة. فالقطاع النسيجي الصناعي منكوب، وسجّل نسبة توقف 50,2%، حيث تفوّق عدد المنشآت المتوقفة (5,973) على العاملة (5,913). أي إن هذه الصناعة الاستراتيجية تعاني من انهيار شبه كامل.
كما أن تسجيل منشأة «كعاملة» لا يعني بالضرورة أنها تعمل بكامل طاقتها الإنتاجية، أو أنها تعمل أصلاً. فالتقديرات تشير إلى أن نسبة الانحراف في أعداد المنشآت العاملة قد تصل إلى 40-50%. أي إن النسبة الحقيقية للمنشآت المنتجة فعلياً (ليست المسجلة فقط) قد لا تتجاوز 30-35%، وهي نسبة كارثية تعكس حالة شلل اقتصادي واسع.
وقد وصف لؤي النحلاوي، النائب السابق لرئيس غرفة صناعة دمشق، في تصريح «للثورة»، الأرقام «بغير المبشرة». مشيراً إلى توجه الصناعيين إلى الأردن بسبب «حوافز ضريبية ودعم طاقة وتسهيلات»، ما يُفقد سورية ميزتها التنافسية.
وما ذكره نحلاوي، ليس مجرد توقف للمنشآت، بل هو انتقال دائم للقدرة الإنتاجية إلى الخارج، ما يعني خسارة نهائية للفرص التصديرية وحصة السوق المحلية لصالح المستورد.
وعرّج التقرير كذلك على أعداد المنشآت في المدن والمناطق الصناعية، حيث تشكل المنشآت العاملة في عدرا (600 منشأة) 31,4% من إجمالي عددها في مدن حسياء والشيخ نجار. فيما تعكس نسبة التوقف في الشيخ نجار، التي تتجاوز 30%، حجم الكارثة في حلب، ولا سيما أنها كانت المركز الصناعي.


غياب الصناعة التنموية


القطاعات التي يفترض أن تكون استراتيجية (كيماويات، هندسية، نسيج وغيرها) تعاني نسب توقف مرتفعة جداً. وتركز النشاط الصناعي في مدن عدرا وحسياء والشيخ نجار، مع نسب توقف متفاوتة، يعكس غياب التنمية المتوازنة. فنجاح هذه المدن مرهون باستقرار الطاقة والأمن، وأي خلل فيها يشل جزءاً كبيراً من النسيج الصناعي المركزي.
فالتقرير، في الواقع، يشير إلى أن سورية أمام أزمة إنتاج وليس أزمة تشغيل. فالأرقام تعكس «كمّاً» من الأعمال التي تصارع للبقاء– حِرَفية في مجملها ولا ينطبق عليها تسمية «منشأة»– وليس كيفاً من الصناعات القادرة على النمو والمنافسة والتصدير.
ولتحقيق أي تعافي أو استدامة، على وزارة الاقتصاد والصناعة الانتقال من مرحلة الرصد الممتدة منذ ما يزيد عن العام إلى مرحلة الفعل.
وهذا يعني إعادة إقلاع حقيقية للقطاعات الصناعية المنتجة، وزيادة حصتها من الناتج المحلي، وتطوير التصدير الصناعي، وارتباط الصناعة بسلاسل إمداد محلية.
ما يتطلب أيضاً إعادة هيكلة الدعم (خاصة الطاقة) بطريقة تضمن استمرارية المصانع، وإعادة النظر كذلك في السياسات الضريبية والجمركية لتكون محفزة وليست معيقة، وتحويل الحوافز إلى واقع ملموس لإيقاف النزف وحالات الإغلاق والهجرة.
وإلا ستظل الصناعة السورية تعاني من «الانتفاخ الرقمي» في السجلات، بينما واقعها هو «الضمور الفعلي»!

معلومات إضافية

العدد رقم:
1268