قرار المناقلة... ضخٌ للعمل في قطاع حيوي أم قرار «غير مدروس»؟

قرار المناقلة... ضخٌ للعمل في قطاع حيوي أم قرار «غير مدروس»؟

في السادس من شباط أصدرت الهيئة العامة للمنافذ الحدودية قراراً غيّر قواعد اللعبة في قطاع النقل والتبادل التجاري، حيث مُنعت دخول الشاحنات غير السورية إلى الأراضي السورية، وألزمت دول الجوار بتفريغ حمولاتها في الساحات الجمركية الحدودية ونقلها إلى شاحنات سورية.

هذا القرار، الذي بدا للوهلة الأولى تنظيمياً، وداعماً للعمالة المحلية، كشف النقاب عن إشكاليات هيكلية في قطاع النقل، وأثار جدلاً حاداً يعكس صراعاً بين منطق الحماية لقطاع متعثر، وبين متطلبات الكفاءة الاقتصادية واستقرار الأسواق.
ورغم «النوايا» الحسنة للقرار، التي أتت في جزء منها رداً على احتجاجات سائقي الشاحنات، الذين وجدوا أنفسهم خارج المنافسة، إلا أن التداعيات المباشرة كانت قاسية، وكشفت هشاشة البنية اللوجستية.

فمنذ تطبيق القرار شهدت الأسواق ارتفاعاً في الأسعار. فقد أضاف القرار حلقات جديدة لسلسلة التوريد (تفريغ، مناقلة، انتظار، رسوم). ما رفع كلفة النقل بشكل كبير؛ فوفق ما نقلته قناة «المملكة» في 23 شباط، عن ضيف الله أبو عاقلة، نقيب أصحاب شركات التخليص ونقل البضائع في الأردن، ارتفعت كلفة النقل من معبر نصيب إلى دمشق إلى 1000 دولار، ما يعني زيادة إضافية تتراوح بين 500 و700 دولار، عدا الأعطال.

فيما ارتفعت تكاليف الشحن من تركيا ولبنان بنسبة 50-70%، وهذه الكلف تنتقل بالضرورة إلى المستهلك النهائي، في وقت يعاني فيه المواطن السوري من غلاء معيشي، في تعارض مباشر مع أي هدف رسمي معلن لتحقيق العدالة الاجتماعية.
أما المعابر الحدودية (نصيب، جديدة يابوس، وغيرها) تحولت إلى نقاط اختناق بسبب عدم تجهيزها لاستيعاب عمليات المناقلة الواسعة، ما أدى إلى تكدس الشاحنات إلى أيام.
وقد خلق هذا التكدس بيئة خصبة للفساد والسمسرة والاحتكار، ففي ظل النقص الحاد في عدد الشاحنات السورية الجاهزة للعمل، وازدياد الطلب عليها، ظهر «متحكمون» قادرون على فرض أسعارهم، في تعارضٍ آخر مع مصلحة السائقين المعلنة من القرار، حيث أصبح المستفيد الأول هم الوسطاء ومكاتب التخليص وكبار المتحكمين.

خاصة وأن نسبة كبيرة جداً من شاحنات النقل متوقفة عن العمل بسبب التقادم وارتفاع تكاليف الصيانة والمحروقات، ولا سيما أن عمر الشاحنات السورية يتراوح بين 20 و30 عاماً.
فالقرار الذي يحاول ضخ جبهات عمل فوري في هذا القطاع عن طريق احتكار عملية النقل الداخلي، أثار إشكالية تحديث الأسطول قبل الحماية، أو حمايته وهو على درجة من القِدم ما ينُذر بنقل مشاكل قطاع النقل إلى الاقتصاد بأكمله.
ويبدو أن قرار المناقلة هو ابن لحظة ارتجالية، ورغم ما يحمل في طيّاته من بعد اجتماعي يحاول إنصاف قطاع مهمّش، لكن أدواته تُطبّق في بيئة غير مؤهلة.

واستمرار تطبيقه بالشكل الحالي، مع تقادم الأسطول وارتفاع الكلف والاختناقات، سيتحول إلى عبء إضافي على الاقتصاد، ومصدر تضخم، وحافز للاحتكار، وستكون نتيجته النهائية إلحاق الضرر بالمستهلكين.
فالمشكلة ليست في حماية القطاع الوطني، بل في آلية هذه الحماية، وهل تراعي التوازن بين إنعاش قطاع وتدمير القدرة الشرائية لعموم السوريين.

معلومات إضافية

العدد رقم:
1268