بين منع استيراد الفروج لحماية المربي، والسماح به لحماية المستهلك... هل من رؤية؟
عادت أزمة ارتفاع أسعار الفروج لتطل برأسها في رمضان، ويتفق الجميع تقريباً (لجنة الدواجن، حماية المستهلك، المربون) على أن سبب الأزمة هو «فجوة الإنتاج» الناتجة عن خروج عدد كبير من المربين من السوق بسبب الخسائر المتكررة.
هذا يعني أن الأزمة ليست وليدة شهر رمضان فقط، بل هي تراكم لسياسات أدت إلى انهيار الإنتاج المحلي، وقدرة المربي على الاستمرار. ما يعكس خللاً هيكلياً يجعل السوق حبيس أي صدمة وينفجر فجأة، وهو بالضبط ما تسببت به زيادة الطلب في رمضان!
سياسات الاستيراد ...بين الإنعاش والإرباك
صدر في 28 شباط قراران متعارضان ظاهرياً، أولهما هو إيقاف استيراد الفروج المجمد، والثاني هو السماح باستيراد فروج الريش، خلال رمضان فقط، وهو ما اعتبره المربون «صدمة وخيبة أمل».
هذا النوع من القرارات «الآنية» و«المؤقتة» يبدو تجسيداً للارتجال في السياسات الاقتصادية.
القرار، مثلاً، لم يضع سقوفاً للاستيراد، مما يترك الباب مفتوحاً أمام المستوردين لاستيراد كميات غير محددة. وهذا يخلق حالة من عدم اليقين لدى المربي المحلي؛ فهل سيغرق السوق بالمجمد بعد رمضان؟ ويسمح للمستوردين بالتحكم بالسوق؟
حيث يبدو أن القرارات تهدف إلى «إخماد الحرائق» الآنية، من دون معالجة السبب.
مبادرة لجنة الدواجن حلٌّ أم هروب للأمام؟
من ناحية تعترف مبادرة لجنة تربية الدواجن بأنه بتحديد سعر أقصى للكيلو الحي (24 ألف ليرة) بوجود خلل في السوق، وتحاول خلق نوع من الاستقرار.
ولكن من ناحية أخرى، تتجاهل هذه المبادرة أن السعر النهائي للمستهلك لا يتحدد بالسعر الحي فقط. فتكاليف النقل، والذبح، والأعلاف، والطبابة، والتبريد لا تزال مرتفعة. ما يُفسر انعدام تأثير المبادرة على سعر الفروج في الأسواق– رغم نفي اللجنة لذلك– فقد تجاوز سعر الكيلو المنظف 44 ألف ليرة، وسعر الشرحات 55 ألف، والفخذ 36 ألف، مع تفاوت الأسعار بين منطقة وأخرى.
الفجوة بين المنتج والمستهلك أين تذهب؟
يثير الفرق بين سعر الفروج الحي وسعر الفروج المنظف على سبيل المثال، تساؤلات كبيرة حول هامش الربح في حلقات الوساطة.
وتعكس هذه الفجوة مشكلة هيكلية في سلسلة التوزيع. فالتكاليف التشغيلية (تبريد ونقل ومحروقات) هي عامل رئيسي في ارتفاع تكاليف الإنتاج. لكنها تسمح أيضاً بهامش من المضاربة والاحتكار، وهو ما أشار إليه مدير حماية المستهلك، أحمد الشوا، في تصريح «للثورة السورية» في 1 آذار، حيث تم ضبط نحو 400 طن مخزنة في البرادات، و120 طناً في حالات منفصلة.
تفاؤلٌ في واقع معقد
أشار رئيس اللجنة نزار سعد الدين، في تصريح «للوطن» في 27 شباط، إلى أن الأسعار ستنخفض بنسبة 20% بعد 20 رمضان مع دخول أفواج إنتاجية جديدة، إلا أن هذا التوقع مبني على افتراض أن دورة الإنتاج الجديدة ستكون كبيرة بما يكفي لتغطية الطلب، وأن المربين الذين خرجوا من السوق عادوا إليه فعلاً.
فيما تحتاج العودة إلى السوق تأكداً من استمرارية تحسن الأسعار، ودعماً حقيقي لمدخلات الإنتاج، وهو أمر غير مضمون في ظل سياسات الاستيراد المتقلبة.
تخبطٌ باتجاه الحل ربما!
يعاني القطاع من غياب سياسة وطنية واضحة ومستدامة. وهو قطاع يُفترض أن يكون تصديرياً ويغطي السوق المحلية، لكنه تحول إلى ساحة تجارب.
فلا استقرار في تكاليف الإنتاج ... ولا استقرار في سياسة الاستيراد ... ولا استقرار في سلسلة التسويق ... ولا حماية حقيقية للمستهلك.
فقرارات «حماية المستهلك» تأتي بعد فوات الأوان، أو أنها عاجزة أمام ارتفاع التكاليف متعددة المستويات. والنتيجة هي أن المواطن يدفع ثمناً باهظاً لسلعة أساسية، والمربي يعيش على حافة الخروج من السوق، والتاجر والمستورد والوسيط هم أكبر المستفيدين من هذه الفوضى.
ويبدو أن السياسة الحالية هي سياسة «إدارة الأزمة» بشكل يومي، وليست سياسة «لحل الأزمة» بشكل جذري.
معلومات إضافية
- العدد رقم:
- 1268
سلمى صلاح