إيقاف معمل تاميكو... إغلاقٌ مؤقت أم مقدمة للخصخصة؟!
فرح شرف فرح شرف

إيقاف معمل تاميكو... إغلاقٌ مؤقت أم مقدمة للخصخصة؟!

لا يمكن اعتبار توقف معمل «تاميكو» عن الإنتاج مجرد توقف لمنشأة حكومية، بل هو توقف لكيان صناعي تراكمت فيه الخبرات على مدى عقود. فالقطاع الدوائي الخاص اعتمد على كوادره منذ التأسيس عام 1956 وحتى هذه اللحظة، وهذا يعني أن «تاميكو» كانت بمثابة «الحاضنة الأم» للصناعة الدوائية الوطنية. والتفريط بخبراتها المتراكمة يعني تفريطاً بذاكرة صناعية كاملة، واستكمال ما بدأته السلطة الساقطة؛ أي استبدال ما تمثله «تاميكو» من الناحية الصناعية، بمنطق السوق الذي يضمن الربح، ولا يضمن استمرارية نقل الخبرات وتطويرها.

أما عن سبب التوقف، فقد صرح رئيس نقابة عمال الصناعات الكيمياوية، عهد الديري، على هامش مؤتمر النقابة السنوي في شهر شباط، بأنه جاء بناء على قرار من وزارة الصحة من أجل «تأهيل وتحقيق شروط نظام الأدوية».


القرار الوزاري بين التنظير والواقع


إن التبرير الوزاري لإيقاف الإنتاج في المعمل– حتى وإن كان في إطار تلميحات لفساد أو عدم مطابقة للمواصفات– يثير عدة إشكاليات، منها التوقيت والإجراء؛ فلماذا يتم إيقاف الإنتاج كلياً إذا كان الهدف «التأهيل» وليس التمهيد «للخصخصة» مثلاً؟!
ولأخذ الأمور بحسن نيّة، لماذا لا يتم هذا «التأهيل»، بشكل تدريجي أو توزيع الإنتاج على خطوط متزامنة مع «التطوير»؟
فالتوقف الكلي، أو التصنيع الجزئي عبر الغير، يعني خسارة للإنتاج والكفاءات والحصة السوقية.


بين القطاع العام والخاص


كان القطاع العام الدوائي يمتلك معملين فقط هما تاميكو والديماس مقابل 98 مصنعاً خاصاً. هذا التفاوت العددي عكس نهج تحول الدولة من الريادة في القطاعات الحيوية إلى دور «المكمّل» أو «المنظم»، والآن «المُفكِك» و«المتفرج» كما يبدو!
لكن المفارقة أن القطاع الدوائي العام رغم قلته العددية، ظلّ يشكل القاعدة الصلبة للخبرة والتدريب، وكان يشكل ضرورة لتغذية القطاع الدوائي الخاص بالكوادر المؤهلة.
علماً أن تاميكو كانت تنتج ما قبل عام 2011، نحو 200 صنف دوائي متنوع، تشمل أدوية حيوية مثل أدوية السكري والضغط والمضادات الحيوية وأغذية الأطفال والسيرومات، بل وحتى بعض أدوية السرطان، وهذه الأصناف هي جزء من الاحتياجات الأساسية للصحة العامة وليست مجرد سلع، وفقدانها يشكل ثغرة في شبكة الأمان الدوائي للمواطن السوري.
وحتى مطلع العام الماضي، بلغت الطاقة الإنتاجية للمعمل 60 صنفاً دوائياً، بزيادة أكثر من 80% مقارنة بالعام السابق، وبقيمة إجمالية تقدر بنحو 102 مليار ليرة (أي ما يزيد عن 8 ملايين دولار)، فهل أخذت الوزارة هذه المعطيات بعين الاعتبار قبل القرار؟!


المواد الأولية والبدائل المحلية


تعاني مصانع القطاع الدوائي، الخاص والعام، من مشكلة نقص وتكلفة المواد الأولية، رغم أن سورية تمتلك أعشاباً ونباتات طبية ذات قيمة مطلقة، أُهملت لعقود بسبب غياب استراتيجية وطنية للاستفادة من الموارد الطبيعية المحلية في الصناعات الدوائية.
وتوقف تاميكو أو تحييدها عن الإنتاج حالياً يعني توقفاً لأي جهود محتملة في هذا الاتجاه، الذي يجعل من الصناعة الدوائية المحلية أكثر صموداً واستقلالية؛ فالقطاع العام هو الأقدر على تحمل تكاليف البحث والتطوير نظراً لطبيعته غير الربحية. بالإضافة إلى فرص العمل التي توفرها هذه الاستراتيجية، بحال تبنّيها، وقدرتها على استيعاب خريجي الصيدلة والكيمياء والزراعة، وغيرها من الاختصاصات العلمية ذات الصلة.


أبعادٌ متعددة


خروج تاميكو من السوق لصالح القطاع الخاص والاستيراد سيؤدي حتماً إلى ارتفاع جديد في أسعار الأدوية، خاصة الأدوية التي كان ينتجها المعمل. بالإضافة إلى فقدان الثقة في قدرة الدولة على توفير أبسط الخدمات.
ولا يبدو أن وزارة الصحة تدرك مخاطر الرهان على القطاع الخاص وحده، الذي يبحث عن الربحية أولاً، والذي قد يتخلى عن إنتاج أصناف غير مربحة، حتى ولو كانت ضرورية، لصالح أصناف أكثر ربحية، ما سيؤدي إلى مزيد من الاستيراد وخسارة في فرص العمل، ونزف الكوادر، وفي القيمة المضافة لإنتاج الدواء محلياً.


انتحار استراتيجي!


في الوقت الذي تتسابق فيه الدول لتحقيق الأمن الدوائي عبر التصنيع المحلي ومحاربة احتكار الشركات الدولية الكبرى، تتخلى سورية عن دورها ومعرفتها وخبراتها المتراكمة «عن طيب خاطر».
وهذا التخلي ليس قراراً اقتصادياً، بل تراجعاً عن مسؤولية سيادية. فالدواء اليوم هو أداة من أدوات الأمن القومي الصحي.
وما نحتاجه اليوم ليس إيقاف المعامل بحجة «التأهيل»، بل استراتيجية متكاملة لتطويرها، واستثمار الموارد الطبيعية المحلية، وتأمين الدواء للمواطن بوصفه حقاً أساسياً.
فصناعة الأدوية ليست مجرد قطاع اقتصادي وصحي، يُعرَض للاستثمار العشوائي مثله مثل أي منتجع سياحي، بل ركن أساسي لضمان الأمن الدوائي واستقلالية وسيادة الدولة.

معلومات إضافية

العدد رقم:
1267