أسطوانة الغاز... وعود الحل وجشع السوق السوداء
تشهد سورية منذ نحو أسبوعين أزمة متجددة في توفر أسطوانات الغاز المنزلي، أزمة لم تعد مجرد خبر عابر في نشرات الاقتصاد، بل تحولت إلى معاناة يومية تثقل كاهل المواطنين في توقيت بالغ الحساسية مع حلول شهر رمضان.
الاعتراف الرسمي بالأزمة جاء هذه المرة صريحاً. ففي 16 شباط 2026، نقلت وكالة الأنباء العربية السورية (سانا) تصريحات لوزير الطاقة السوري محمد البشير أقرّ فيها بوجود نقص في مادة الغاز المنزلي خلال الأيام الماضية، عازياً السبب إلى «ظروف جوية أثّرت على عمليات ربط وتفريغ ناقلات الغاز في الميناء»، ومؤكداً أن الوضع «سيتحسن خلال أيام قليلة» بعد استكمال التفريغ وعودة التوريد إلى مستوياته الطبيعية.
لكن السؤال الذي يفرض نفسه بإلحاح: كم مرة سمع السوريون عبارة «خلال أيام»؟ على الأرض، لم تختفِ الطوابير سريعاً، ولم تختفِ الشكاوى. في كثير من المناطق أصبح الحصول على أسطوانة غاز مسألة حظ أو انتظار طويل، فيما اضطرت عائلات إلى البحث في السوق غير الرسمية لتأمين احتياجاتها الأساسية. ومع استمرار التعثر في التوزيع، بدت الوعود الرسمية منفصلة عن واقع الناس الذين لا يملكون رفاهية الانتظار.
الأخطر من النقص ذاته هو ما كشفه من ثغرات. فالأزمة، كما في مرات سابقة على زمن السلطة الساقطة، فتحت الباب واسعاً من جديد أمام مستغلي السوق السوداء. فارتفعت الأسعار إلى مستويات احتكارية، مستفيدين من حاجة المواطنين الملحة، خصوصاً مع دخول شهر رمضان الذي يزداد فيه استهلاك الأسر للغاز المنزلي. وبينما السعر الرسمي محدد ومعروف، كانت الأسطوانة في السوق السوداء تُباع بأضعافه في بعض الحالات، بلا رقيب فعلي يردع أو يحاسب.
ما يجري ليس مجرد خلل لوجستي عابر كما قُدّم رسمياً، بل مؤشر على هشاشة منظومة التوريد والتخزين والتوزيع.
فإذا كانت عاصفة أو تأخر في تفريغ ناقلة كفيلاً بإحداث هذا الاضطراب الواسع، فأين المخزون الاستراتيجي؟
وأين خطط الطوارئ؟ وأين آليات التدخل السريع التي تمنع تحوّل أي تعثر تقني إلى أزمة معيشية خانقة؟
الاعتراف بوجود المشكلة خطوة أولى، لكنه لا يكفي. فالمواطن لا يحتاج تبريراً بقدر ما يحتاج حلاً ملموساً وسريعاً.
المطلوب اليوم ليس استكمال تفريغ باخرة أو شحنة فقط، بل وضع خطة مستدامة تضمن استقرار الإمدادات، وتعزيز القدرة التخزينية، وتحسين كفاءة التوزيع بحيث لا تتكرر الأزمة كلما طرأ طارئ.
وفي الوقت نفسه، لا يمكن تجاهل ضرورة تشديد الرقابة بشكل صارم على حلقات التوزيع كافة. يجب ملاحقة المتاجرين بالأزمة، وإغلاق منافذ الاحتكار، وفرض الالتزام بالأسعار الرسمية دون تهاون.
فترك السوق السوداء تتحكم مجدداً بضرورات الناس يعني عملياً مكافأة الاستغلال ومعاقبة المواطن.
أزمة الغاز الحالية ليست مجرد نقص في مادة، بل اختبار لقدرة الإدارة على حماية المواطنين في لحظة ضعف. وبين تصريح يعد بانفراج «خلال أيام» وواقع يستمر فيه النقص، يبقى السوريون عالقين بين الانتظار والغضب، بانتظار حل لا يكون مؤقتاً، بل يكون جذرياً وحاسماً.
معلومات إضافية
- العدد رقم:
- 1267