الثروة السمكية في سورية، كنزٌ استراتيجي يغوص في بحر الإهمال الرسمي...
رشا عيد رشا عيد

الثروة السمكية في سورية، كنزٌ استراتيجي يغوص في بحر الإهمال الرسمي...

يعتبر قطاع الثروة السمكية شاهداً على مأساة وطنية صامتة، فهو يملك من المقومات ما يكفي ليكون ركيزة أساسية في الأمن الغذائي، لكنه يغوص في بحر الإهمال الرسمي، تاركاً خلفه مواطناً لا يجد في وجبة السمك سوى رفاهية منسيّة، بينما تغرق الأسواق بالمعلبات والمستوردات المجمدة التي لا تضاهي جودة المنتج المحلي، ولا قيمته الغذائية.

فما واقع الثروة السمكية في سورية؟
وما أسباب تراجعها؟
وأين دور وزارة الزراعة الغائب، أو المُغيّب عمداً على ما يبدو؟!


حصة المواطن من السمك لا تتجاوز الوهم


تبدو الأرقام صادمة، لكنها تعكس واقعاً مؤلماً، ففي الوقت الذي تتربع فيه سورية على شريط ساحلي يمتد لأكثر من 183 كم، ومسطحات مائية داخلية شاسعة، تصلح لأن تكون مزارع طبيعية للأسماك، نجد أن الإنتاج السمكي المحلي يتراجع ولا يغطي احتياجات السوق، فتشير التقديرات إلى أن الفجوة الإنتاجية تصل إلى نحو 30 ألف طن سنوياً، مما جعل حصة الفرد السوري من السمك أقل من كيلوغرام واحد في العام.
هذا الرقم ليس مجرد إحصائية، بل انعكاس لتراجع خطِر في توفير مصدر بروتين حيواني منخفض الكلفة وعالي القيمة. فالأنهار التي كانت تغذي المسامك تعاني الجفاف، والبحر الذي كان يعطي مواسم سخية أصبحت موارده موسمية ومحدودة بفعل التغيرات المناخية أيضاً والصيد الجائر والتلوث.
ومع ذلك، يبقى السؤال الأهم: لماذا تتراجع المزارع السمكية التي يمكن أن تكون بديلاً استراتيجياً؟


خطط إنقاذ وهمية والإهمال مُمنهج


تقول وزارة الزراعة إن لديها خططاً طموحة لإنتاج ملايين الإصبعيات السمكية وإعادة تأهيل المزارع الحكومية في مناطق مثل «السن وشطحة والروج»، لكن الحديث عن الخطط على منصات التواصل الاجتماعي لم يعد يخدع أحداً، فالواقع يروي قصة مختلفة تماماً عن مربي أسماك وصيادين ينسحبون من المهنة تباعاً، ومزارع حكومية تغلق أبوابها، وتكاليف الإنتاج ترتفع بشكل جنوني، فيما الدعم الحكومي غائب كلياً.
فالمربون يئنون تحت وطأة أسعار الأعلاف المستوردة، وغلاء المحروقات اللازمة لتشغيل المضخات، وكذلك الكهرباء التي تعد شريان الحياة للمزارع، وهنا يظهر السؤال الأكثر إلحاحاً، أين دور الدولة؟ أليس من واجب وزارة الزراعة توفير الدعم اللازم لمستلزمات الإنتاج، وتأمين الأعلاف بأسعار مدعومة، وحماية المنتج المحلي من إغراق السوق بالمستورد والمُهرّب؟
الواقع يشير إلى أن السياسات المتبعة تدفع القطاع نحو الانهيار، وكأن هناك إرادة خفية لإنهائه بالكامل، بدلاً من إنقاذه.


فوضى السوق والمواطن يدفع الثمن


عندما يغيب الإنتاج المحلي المنظم، تحضر الفوضى، فالأسواق المحلية تحولت إلى ساحة مفتوحة للسمك المجمد استيراداً وبطرق غير مشروعة عبر منافذ التهريب، وبأسعار لا تتوقف عن الارتفاع، ليجد المواطن المفقر نفسه مضطراً للجوء إلى الخيار الأرخص والأكثر توفيراً، لمعلبات التونة والسردين.
لكن المأساة لا تقف عند حدود السعر، فالرقابة على الأسواق شبه معدومة، وأصبحت المنتجات منتهية الصلاحية أو رديئة الجودة تغزو الأسواق.
أما المواطن، الذي يجهل أنواع السمك الجيد، ولا يثق بمصدر الطازج منه ونظافته في ظل غياب الرقابة الفعالة، يشتري المعلبات وفق معيار «المضمونية» وهو لا يدري أنه يشتري وهم الجودة.
والحقيقة المُرّة أن السمك الطازج، حتى مع ارتفاع سعره، يظل الأقل كلفة إذا ما قورن بقيمته الغذائية وفوائده الصحية، فهو مصدر لا يُعوَّض للبروتين والأوميغا 3 الطبيعي، الذي لا تنافسه بالفعالية أية كبسولات دوائية أو مكملات غذائية.


الاستراتيجية الشاملة لا تحتمل التأجيل


إن استمرار إهمال هذا القطاع لم يعد مقبولاً، فالثروة السمكية ليست ترفاً، بل هي جزء لا يتجزأ من منظومة الأمن الغذائي القومي، وإنقاذها يتطلب أكثر من تصريحات نارية أو خطط نظرية. والمطلوب اليوم تدخل حكومي جاد وحقيقي، يبدأ بتوفير الدعم المادي والعيني للمربين، وتأمين الأعلاف والمحروقات بأسعار مخفضة لزيادة الإنتاج وتحسين كفاءة القطاع، وأيضاً إعادة تأهيل البنى التحتية للمزارع المتوقفة عن العمل.
كما أن ضبط السوق وحماية المنتج والمخزون المحلي يتطلبان تشديد الرقابة على الاستيراد وترشيده وتحديد السقوف، ومنع إغراق السوق بالمنتجات الرديئة مع تشديد الخناق على المهربين. ودون ذلك، سنظل نراوح مكاننا، نشتري الوهم المُعلب، ونترك كنزنا الوطني يغوص في بحر من الإهمال، بينما تظل الوزارة تعمل وفق مبدأ «نسخ لصق» لخططها وتكتفي بتسويقها إعلامياً، وكأن كتابة الخبر تغني عن صناعته.

 

معلومات إضافية

العدد رقم:
1267