35% فساد في الأسواق... من يحمي المستهلك؟

35% فساد في الأسواق... من يحمي المستهلك؟

في وقت يُرفع فيه شعار «السوق الحر التنافسي» بوصفه الوصفة السحرية لضبط الأسعار وتحسين الجودة، تكشف الأرقام المنشورة في صحيفة الوطن وصحيفة الثورة حقيقة صادمة؛ السوق ليس حراً ولا تنافسياً، بل منفلت على حساب جيوب الناس وصحتهم.

ثلث السوق... غير صالح للاستهلاك!


بتاريخ منتصف شهر شباط 2026، نقلت الوطن عن مصدر في مديرية التجارة الداخلية وحماية المستهلك بدمشق أن نسبة العينات المخالفة أو غير الصالحة للاستهلاك البشري بلغت 35% من إجمالي العينات المسحوبة منذ بداية شهر رمضان.
خمسة وثلاثون بالمئة! أي إن أكثر من ثلث المواد التي خضعت للفحص في المخبر المركزي ثبت فسادها أو مخالفتها للمواصفات.
هذه ليست مخالفة هامشية في سوق منضبط، بل مؤشر كارثي على سوق فقد الحد الأدنى من معايير السلامة.
فعندما تصبح احتمالية أن تكون السلعة فاسدة أو مغشوشة أو منتهية الصلاحية هي واحد من كل ثلاث منتجات تقريباً، فنحن لا نتحدث عن خلل عابر، بل عن بنية رقابية منهارة.


700 ضبط...ولا يزال النزيف مستمراً


وفي سياق متصل، نشرت الثورة بتاريخ منتصف شباط 2026 أن مديرية التجارة الداخلية وحماية المستهلك في دمشق نظمت نحو 700 ضبط تمويني منذ بداية رمضان، شملت مخالفات تتعلق بمواد فاسدة، وعدم إعلان الأسعار، وعدم إبراز الفواتير، ومخالفات صحية.
سبعمئة ضبط خلال أسابيع قليلة رقم ضخم، لكنه لا يعكس قوة الردع بقدر ما يكشف حجم الفوضى. فلو كانت السوق «تنافسية» فعلاً، لكانت المنافسة تدفع التجار إلى تحسين الجودة وخفض الأسعار، لا إلى المخاطرة ببيع مواد منتهية الصلاحية أو غير مطابقة للمواصفات.


أين التنافسية؟


التنافسية تعني تعدد المنتجين الحقيقيين- حرية دخول السوق- شفافية في الكلفة والتسعير- قدرة المستهلك على الاختيار بين بدائل متقاربة الجودة والسعر.
لكن الواقع مختلف، فالأسعار مرتفعة رغم تراجع القدرة الشرائية، والبدائل محدودة في كثير من السلع الأساسية، والرقابة الفعلية ضعيفة، وتكاد تنحصر– كما يلمس المواطن يومياً– في التأكيد على وضع «الإعلان السعري» على الرف، بينما تُترك الجودة والمطابقة أحياناً لاختبارات لاحقة قد تكشف أن السلعة أصلاً لا تصلح للاستهلاك.
فأي تنافسية هذه التي تسمح بأن يكون ثلث السوق مخالفاً؟
وأي سوق حر هذا الذي لا يحمي أبسط حقوق المستهلك في سلعة آمنة؟


استغلال مزدوج...الجيب والصحة


المستهلك اليوم يدفع الثمن مرتين:
من جيبه عبر أسعار مرتفعة لا تعكس جودة حقيقية.
ومن صحته عبر مخاطر مواد فاسدة أو مغشوشة.
والنتيجة أن مفهوم «السوق الحر» تحوّل إلى مظلة تُستخدم لتبرير رفع الأسعار، لا لضبطها، وإلى عنوان فضفاض يُغطي غياب الرقابة الفعالة.
فالسوق الحر لا يعني غياب الدولة، بل يعني وجود دولة تنظم المنافسة وتحمي المستهلك وتمنع الاحتكار والغش.


المطلوب...رقابة حقيقية لا شكلية


الأرقام المنشورة في الوطن (35% عيّنات مخالفة) وفي الثورة (700 ضبط تمويني منذ بداية رمضان– شباط 2026) يجب أن تكون جرس إنذار لا مادة خبر عابر.
والمطلوب:
معالجة أسباب الاحتكار وغياب المنافسة الحقيقية.
تكثيف الفحوصات المخبرية لا الاكتفاء بالجولات الشكلية.
إعلان نتائج الضبوط بشفافية وأسماء المخالفين.
تشديد العقوبات إلى حد الإغلاق الفعلي والرادع.
لأن السوق إن لم تُضبط بقانون عادل ورقابة صارمة، ستبقى «حرة» فقط في استغلال الناس... وحرة في تعريض صحتهم للخطر.

معلومات إضافية

العدد رقم:
1267