المتقاعدون أزمةٌ مركبة... تأخرٌ في صرف الرواتب والترويج لعجز مرتقب لصندوق التأمينات

المتقاعدون أزمةٌ مركبة... تأخرٌ في صرف الرواتب والترويج لعجز مرتقب لصندوق التأمينات

لا تزال معاناة المتقاعدين مستمرة منذ ما يزيد عن عام، فالرواتب لا تُصرف بشكل منتظم شهرياً، وبعد أشهر من انتظار بيانات رسمية تشرح وتبيّن الوضع بشفافية، تنصبّ الردود حول «الدولة الوليدة»، ونقص الإمكانيات المادية لحماية المتقاعدين!

وتُعد الزيادة التي منحتها المؤسسة العامة للتأمينات الاجتماعية بموجب المرسوم رقم 103 لعام 2025، والبالغة 200%، خطوة على مستوى تحسين الدخل «الاسمي» للمتقاعدين، لكن الواقع اليومي يكشف عن إشكاليات هيكلية تعكس أزمة أعمق في نظام الحماية الاجتماعية.
فقد بلغت الكتلة الإجمالية للرواتب بحسب المدير العام للمؤسسة العامة للتأمينات الاجتماعية، حسن خطيب، 423 مليار ليرة سورية قديمة، لنحو 475,994 متقاعداً، بمتوسط معاش شهري 880,000 ليرة، أي ما يعادل 76 دولاراً.
وقد صرّح في حينها أن هذه الزيادة ستنعكس «بشكل إيجابي» على أوضاع المتقاعدين المعيشية، إلا أن المتقاعد الذي حصل على «الزيادة التاريخية»، أصبح الآن يحمل فاتورة الكهرباء بيد، وروشتة الدواء باليد الأخرى، ليكتشف أن «مكافأته» بالكاد تغطي 3% من حاجاته الأساسية!
فالزيادة التي تتحدث عنها المؤسسة وعن انعكاساتها «الإيجابية»، ليست في الواقع سوى رقم إضافي في لعبة الأرقام التضخمية، وكأن الحكومة تخاطب المتقاعدين بلغة الأصفار: «خذوا أصفاراً أكثر لتشعروا أنكم أغنياء!»


الأمانة الضائعة ومسؤولية الدولة


المتقاعدون هم شريحة أنفقت من دخلها ومن عمرها لصالح التأمينات، على أساس أن مدخراتهم هي أمانة ستعود إليهم بشكل معاشٍ كريم.
وقد أدّت سياسات الاستدانة من قبل الحكومات المتعاقبة من صندوق التأمينات الاجتماعية، واستخدام أموال الموظفين والعمال لسد عجز إنفاق الدولة أو لتمويل مشاريع فاسدة، إلى إفقاد الصندوق قدرته الذاتية على الاستثمار والتنمية.
ما حوّل حقوق المتقاعدين إلى «منحة». وخلق هذا الوضع علاقة مشوهة، حيث أصبح المتقاعد يتلقى راتبه وكأنه «صدقة» أو «مساعدة اجتماعية» تتأخر أو تُهدد بالانقطاع، بدلاً من أن تكون حقاً مكتسباً ناتجاً عن سنوات من الاقتطاع.


تأخر صرف الرواتب: انسحاب تدريجي


في كل شهر يتأخر فيه صرف الرواتب، يتضح أكثر فأكثر أن الدولة تنسحب تدريجياً من مسؤوليتها تجاه المتقاعدين.
فالتأخر المتكرر لم يعد مجرد مشكلة تقنية أو إدارية، بل تحول إلى ما يبدو مؤشراً على أزمة سيولة وعجز في صندوق التأمينات. مما يولّد حالة من القلق والهلع لدى فئة لا تملك أدوات أو طاقة للعمل مجدداً. وليتحول المتقاعد في حسابات الدولة من صاحب حق إلى «عبء» تحاول التخفيف من ثقله أو تسويف التزاماتها نحوه.
ولكن لا تقلقوا، فالمؤسسة تقول: «ما زالت هناك مبادرات فردية وجمعيات تكافل»! وكأن على المتقاعد أن يتسول لقمة عيشه ودواءَه بعد أن أمضى عمره في خدمة الدولة!


معادلة صعبة وحلول جزئية


إن الزيادة 200% هي زيادة في الحسرة للمتقاعد، ومحاولة لإخماد النار تحت الرماد. فالمتقاعد السوري يقف اليوم في موقع الخاسر الأكبر من الانهيار الاقتصادي؛ فهو من دفع باقتطاعاته، ثم خسر قيمة مدخراته بسبب التضخم والفساد، وهو اليوم ينتظر ما تبقى من حقوقه على أبواب مؤسسات يتم تسويقها وكأنها على وشك الإفلاس.
فما يحصل هو تحويل للحقوق المكتسبة إلى وعود هشّة تواجه خطر العجز الكامل، وكارثة حقيقية إذا لم يحصل تغيير جذري شامل؛ يتضمن إعادة هيكلة صناديق التأمينات لمصلحة أصحابها، وتنويع مصادر تمويلها، وضمان حسن استثمار أموالها والرقابة عليها، وإيجاد نظام تأمين صحي عادل للمتقاعدين، وتصحيح المعاشات بشكل دوري وربطها بمؤشر غلاء المعيشة وليس بقرارات «خيرية»، ومحاسبة الجهات التي تسببت في استنزاف أموال التأمينات، والجهات (العامة والخاصة) المقصرة بالتزاماتها تجاهها.

معلومات إضافية

العدد رقم:
1267