من العزلة إلى الارتهان... مذكرة «ماستر كارد» تحت مجهر السيادة الرقمية
بعد الإعلان عن توقيع مذكرة تعاون بين وزارة الاتصالات وتقانة المعلومات وشركة «ماستر كارد» الشرق الأوسط وإفريقيا بتاريخ 11 شباط 2026، قُدِّم الاتفاق بوصفه خطوة لتعزيز البنية التحتية الرقمية والمالية في سورية، ودعم الابتكار، وبناء القدرات، وتنمية المواهب في مجال التكنولوجيا المالية. المذكرة- كما أُعلن- تؤسس لإطار تعاون غير حصري يشمل تبادل الخبرات، التدريب، الحاضنات، واستكشاف حلول للدفع الرقمي بما يتماشى مع المعايير الدولية.
في الظاهر، يبدو ذلك جزءاً طبيعياً من مرحلة ما بعد رفع العقوبات وعودة البلاد إلى النظام المالي العالمي. لكن خلف العناوين العريضة، تبرز أسئلة جوهرية حول طبيعة هذا التعاون، وحدوده، ومخاطره الاستراتيجية. فأنظمة الدفع ليست مجرد أدوات تقنية، إنها مفاصل سيادية تمس الاقتصاد والأمن والبيانات في آنٍ معاً.
العناوين اللامعة... والتفاصيل الغائبة
المذكرة تتحدث عن «تعزيز البنية التحتية» و«تحقيق الشمول المالي» و«تطوير الابتكار». لكن ما لا توضحه هو الأهم:
ما هو الإطار الزمني للتنفيذ؟
ما حجم الالتزامات المالية المتبادلة؟
ما هي مؤشرات الأداء التي سيُقاس بها النجاح؟
كيف ستتم حماية بيانات المواطنين؟
من يملك البنية التقنية فعلياً؟
ففي المشاريع السيادية، التفاصيل ليست شأناً ثانوياً. وغيابها يعني أن الرأي العام يُطلب منه منح الثقة دون أن يمتلك أدوات التقييم!
المدفوعات الرقمية... سيادة أم خدمة؟
عندما تتحول المدفوعات من نقدية إلى رقمية، تتحول معها خريطة الاقتصاد بأكمله إلى بيانات قابلة للتحليل.
فكل عملية شراء، وكل تحويل، وكل اشتراك، تصبح جزءاً من قاعدة بيانات ضخمة.
هذه البيانات تمثل:
أنماط الاستهلاك.
حركة رؤوس الأموال.
ديناميات السوق.
السلوك المالي للمجتمع.
فهل هناك نص واضح يضمن بقاء هذه البيانات تحت سيادة وطنية كاملة؟
هل توجد تشريعات صارمة لحمايتها؟
أم إن المسألة تُركت لإطار تعاون عام؟
في العالم المتقدم، تُعامل بيانات المدفوعات كجزء من الأمن القومي الرقمي. أما في حالتنا، فلا يظهر حتى الآن إطار قانوني معلن يوازي خطورة هذا التحول.
فخ «الاعتماد طويل الأمد»
أخطر ما في مثل هذه الاتفاقات ليس الحاضر، بل المستقبل.
حين تُبنى أنظمة الدفع على بنية تقنية لمزوّد واحد، يصبح الانتقال لاحقاً إلى بديل أمراً مكلفاً ومعقداً. هذا ما يُعرف بحسب المختصين بـ«قفل المزوّد»، حيث تتحول الشراكة إلى ارتباط يصعب الفكاك منه.
هل يتضمن الاتفاق شرطاً لنقل المعرفة الكاملة؟
هل توجد خطة لبناء شبكة دفع وطنية مستقلة تدريجياً؟
هل هناك رؤية لتنويع الشركاء؟
إذا لم تكن الإجابات واضحة، فإننا لا نبني سيادة رقمية، بل نؤسس تبعية تقنية قد تستمر إلى عقود.
أوروبا تفكك الاعتماد... ونحن نكرّسه؟
في الوقت الذي تتجه فيه دول الاتحاد الأوروبي إلى تقليل اعتمادها على شبكات الدفع الأمريكية عبر مشاريع سيادية مثل اليورو الرقمي ومبادرات الدفع الأوروبية الموحدة، نرى هنا توجهاً معاكساً؛ تثبيت الارتباط ببنية عالمية واحدة دون إعلان خطة خروج أو بديل وطني.
الدول الأوروبية- رغم قوتها الاقتصادية النسبية- تعتبر الاعتماد الكامل على مزودي الدفع العالميين نقطة ضعف استراتيجية. فكيف بدولة تعيد بناء مؤسساتها وبنيتها المالية؟
المفارقة أن من يملك أدوات القوة يسعى إلى تقليل الاعتماد، بينما من يحتاج إلى ترسيخ استقلاله قد يجد نفسه يوسع نطاقه.
الكلفة الصامتة... من يدفع الثمن؟
المدفوعات الرقمية ليست مجانية. فهناك...
عمولات على العمليات.
رسوم على التجار.
تكاليف أجهزة نقاط البيع.
اشتراكات مصرفية.
في حال غياب سقوف تنظيمية واضحة، قد تنتقل هذه التكاليف مباشرة إلى المواطن. وفي اقتصاد يعاني من هشاشة القدرة الشرائية، فإن أي زيادة غير مدروسة قد تعني عبئاً إضافياً على المستهلكين.
الأمن السيبراني... الحلقة الأضعف!
أنظمة الدفع هدف رئيسي للهجمات الإلكترونية. اختراق واحد قد يؤدي إلى...
تسريب بيانات حساسة.
تعطيل عمليات واسعة.
فقدان الثقة العامة.
هل هناك استثمار موازٍ في البنية الأمنية؟
هل توجد منظومة استجابة وطنية متقدمة؟
التحول الرقمي دون درع سيبراني مكافئ يشبه بناء منشأة استراتيجية بلا حماية.
الفرصة التي يجب ألّا تُهدر
الإعلان عن رفع العقوبات يبدو كفتح نافذة لإعادة صياغة العلاقة مع الاقتصاد العالمي. وكان المفترض أن تكون الخطوة الأولى:
إعداد استراتيجية وطنية شاملة للمدفوعات.
سنّ قانون سيادي لحماية البيانات المالية.
إطلاق شبكة دفع وطنية موازية.
تنويع الشركاء بدلاً من التركيز على مزود واحد.
التعاون الدولي ليس خطأ. الخطأ هو غياب الرؤية السيادية الواضحة.
التحديث لا يساوي الاستقلال
لا خلاف على أن الاقتصاد السوري يحتاج إلى تحديث بنيته الرقمية. لكن التحديث بلا سيادة قد يتحول إلى تبعية مغطاة بشعارات التطوير.
فالمسألة ليست في اسم الشركة وجنسيتها فقط، ولا في نوايا التعاون، بل في السؤال الجوهري:
هل نحن نبني نظاماً رقمياً وطنياً يمكن أن يقف وحده مستقبلاً؟
أم نؤسس اعتماداً طويل الأمد يصعب التحرر منه؟
ففي عالم اليوم، البنية التحتية للمدفوعات ليست مجرد خدمة مصرفية. إنها أحد أعمدة السيادة. والسيادة لا تُدار بمذكرة عامة... بل برؤية وطنية دقيقة لا تترك التفاصيل للمجهول!
معلومات إضافية
- العدد رقم:
- 1265