الأولويات الخدمية في دمشق للظهور الإعلامي لا لتحسين واقع الخدمات للمواطنين...!
أغرقت مياه الصرف الصحي الشوارع والأزقة في منطقة المزة 86 في دمشق، ولم يعد الأمر يُبرر بحلول فصل الشتاء وتكرار المنخفضات الماطرة فقط، فهشاشة شبكات الصرف الصحي والمطريات في الحي مُتكشِفة منذ عقود والحلول التي تعتمدها المحافظة في كلّ مرّة مُسكِنة ومحدودة المفعول والصلاحية!
فلا تتجاوز سوى عمليات «تسليك مؤقت» وذرائع رسمية تلقي اللوم على الطابع العشوائي لتمديد هذه الشبكات دون الأخذ بالاعتبار الكثافة السكانية الكبيرة، ليُترك السكان أمام مخاطر صحية وبيئية وفيض المياه الآسنة في الشوارع والمنازل مع انتشار الروائح الكريهة والقوارض والحشرات، أي بيئة خصبة للأمراض الخطِرة.
ناهيك عن الإعاقة المرورية وحركة وتنقل السكان للوصول إلى وجهاتهم مع تحول الشوارع إلى مستنقعات وبرك موّحلة، خاصة أن البنية التحتية للحي متهالكة، حيث تنتشر الحفر وتغيب الطبقة الإسفلتية بشكلٍ شبه كامل في بعض المقاطع.
هذه الصورة ليست استثناء بل يمكن تعميمها على جميع مناطق وأحياء الفقر (المخالفات والعشوائيات) داخل العاصمة وبمحيطها، فعلى الرغم من الشكاوى والمراجعات المتكررة للجهات المختصة، لكن الواقع لم يشهد أي نتائج ملموسة حتى الآن وهذا ما أكده غالبية أهالي هذه الأحياء!
على الطرف المقابل، تسابقت ورشات محافظة دمشق وسارعت لبدء أعمالها لصيانة أو إعادة تأهيل شبكة الصرف الصحي في منطقة «شارع الحمراء» في دمشق، وتحديداً المقطع الممتد من دوار عرنوس وصولاً إلى تقاطع شارع العابد، وذلك لاستبدال خط الصرف الصحي في المنطقة مع إغلاق مروري لفترة زمنية تقارب الأسبوع حسب الإعلان (وتبعات ذلك من الازدحام المروري ومضاعفة أعباء المواطن اليومية).
ومع التأكيد على أهمية عمليات الصيانة لشبكة الصرف الصحي في هذا الشارع، «فهي متهالكة من عهد السلطة البائدة وتخدم نحو 50 ألف مواطن»، وذلك حسب مسؤول الصرف الصحي في المحافظة «زياد خليل» في تصريح لصحيفة «الوطن» بتاريخ 5/2/2026، فتحسين الخدمات واجب وحق لكل مواطن في كل مكان، لكن المشكلة تكمن في كيفية ترتيب الأولويات، فلا طوفان لمياه الصرف الصحي في حواري وشوارع هذه المنطقة لتستقطب تسليط الضوء الإعلامي، ولا شكاوى عن انفجار أحد الخطوط واختلاطها بمياه الشرب، كما جرى في حي المزة 86 والتي نتج عنها حالات تسمم، علماً أنها شبكة قديمة ومتهالكة أيضاً والحي مكتظ سكانياً، لكن على ما يبدو أن صيانة واستبدال خطوط الصرف الصحي فيه ليس الأكثر إلحاحاً وضرورة في أجندة المحافظة!
فالمعيار المُعتمد الذي يمكن استخلاصه يبدو لا علاقة له «بالأكثر تضرراً» بل «الأكثر ظهوراً» إعلامياً، فمنطقة الحمراء تعد عصباً تجارياً مهماً بالإضافة إلى وجود كثافة سكانية وحركة تجارية ما «يتطلب» أعمال التأهيل كما ورد في التصريح نفسه لمسؤول الصرف الصحي «زياد خليل»، بينما المزة 86 وغيرها من مناطق الفقر منبوذة على ما يبدو من المحافظة كحال سكانها المهمش، ولا تصلح للصورة الإعلامية، وربما لا تليق بأن تتباهى بها المحافظة في كتيبات إنجازاتها.
كذلك يبدو أن المعيار ليس القِدم أو التهالك ولا الكثافة ولا الخطر، بل أين تتواجد الكاميرات والعقود المربحة، فهناك منطقة تستحق السرعة لتظهر «جميلة ونظيفة» للإعلام، وأخرى «منسية مهملة» تلقى التجاهل والتأجيل وفيها يعيش معظم السكان!
وهذا يطرح سؤالاً مُلّحاً، لماذا مناطق (العشوائيات والفقر) خارج الخريطة الجغرافية للصيانات الرسمية، وكأن سكانها ليسوا مواطنين ولا يدفعون الضرائب؟!
والأهم من المسؤول عن صرف الأموال العامة وتوجيه الموارد إلى خدمات تمس الحاجات اليومية للمواطنين وضروراتهم بعدالة؟!
حديث الناس يقول إن بعض المشاريع «التجميلية» بغطاء خدمي، بميزانية ملايين الدولارات على المحافظة وبتكلفة ضئيلة وجهد محدود على الجهة المنفذة، تعتبر «كعكة» مغرية سريعة وكبيرة الربح يمكن تقاسمها بين حيتان النهب والفساد بسلاسة، خاصة مع الأضواء الإعلامية المرافقة التي تغطي عليها للتباهي، بينما أي مشروع مماثل في مناطق الفقر، ربما بميزانية أقل لكن بتكلفة أعلى وجهد أكبر على الجهة المنفذة، وبالتالي لا عقد مُغرٍ لتقاسم الكعكة، كما أنه لا يستقطب الأضواء، فلا صورة فيه تستحق النشر والتباهي!
والأمثلة على ذلك أكثر من أن تحصى، من تجميل وإعادة تجميل ساحة الأمويين لعدة مرات، مروراً بقلع وإعادة رصف حجر اللبون في جزء من دمشق القديمة، وليس انتهاء بإعادة تبليط بعض الأرصفة بمحيط جامعة دمشق.
فمن الواضح أن المحافظة ليست أمام عجز إمكانيات بل أمام أولويات، تجميلية للتباهي و«البروظة» والظهور، وكعكة ربحية سريعة بالنسبة للمتعهدين، لكن هنا يصح القول إن المشاريع الخدمية تفقد شرعيتها حين تتحول إلى «ديكور» سياسي وإعلامي، وحين تصبح معايير الاختيار خاضعة لمنطق «البهرجة والربح» لا «الحاجة والضرورة».
اليوم لا يحتاج أهالي مناطق الفقر والمخالفات والعشوائيات، بما في ذلك المزة 86، إلى خطابات مواساة وتصريحات واعترافات بالمشكلة، ولا إلى وعود خُلبية، بل يحتاجون اعترافاً حقيقياً بوجودهم وآذاناً مصغية لشكواهم ومعاناتهم، والتحرك الجاد لتحسين واقعهم الخدمي لأنه من أبسط حقوقهم.
فأموال الشعب ليست إرثاً للمحافظة ولا هِبّة تمنحها لمن تشاء، بل حق لجميع سكان وقاطني العاصمة بمختلف أحيائها، يجب ألا يخضع لفرز وفق العنوان أو مستوى المعيشة أو مواصفات المنطقة أو الحي!
والمطلوب بكل بساطة إعادة ترتيب الأولويات وتوزيع الموارد بعدالة بناءً على الحاجة والضرورة لا الرغبة في الظهور والبهرجة الإعلامية.
فقد آن أوان إنهاء زمن الترقيع الذي أنهك كاهل المفقرين عقوداً طويلة، وآن الأوان ليعيش للمواطن السوري بكرامة.
معلومات إضافية
- العدد رقم:
- 1265
منية سليمان