فاتورة الغضب... الكهرباء تتحول من خدمة أساسية إلى أداة استنزاف للناس
لم تكن فاتورة الكهرباء للدورة السادسة لعام 2025 مجرد إشعار بالدفع، بل كانت إعلاناً فجاً عن استمرار سياسة لا ترى في المواطن إلا رقماً في خانة الجباية. في دمشق، حيث يئن الناس تحت أعباء معيشية خانقة، جاءت الفاتورة لتصب الزيت على نار الغضب، وتؤكد أن الشكوى لم تصل، أو أنها وصلت ولم يُرَد لها أن تُسمع.
الاعتراضات لم تكن هامشية ولا فردية. الامتناع عن التسديد لم يكن ترفاً احتجاجياً، بل عجزاً حقيقياً ممزوجاً برفض واضح لتسعيرة ظالمة ومنفصلة عن الواقع. ومع ذلك، لم يتبدل شيء.
تفاؤل وُئد قبل أن يولد
عندما تأخر صدور الفاتورة في بعض المحافظات، وعندما تسرّبت أنباء عن لقاء وفد من دمشق مع وزير الطاقة للبحث في إعادة النظر بالشرائح والتسعيرة، تسلل الأمل إلى القلوب المثقلة. ظنّ الناس أن الضغط أثمر، وأن المعاناة اليومية بدأت تجد طريقها إلى طاولة القرار.
لكن إعلان صدور فاتورة الدورة السادسة في ريف دمشق جاء كإشارة معاكسة تماماً؛ فلا مراجعة، ولا تعديل، ولا اكتراث بالغضب المتصاعد.
وكأن الرسالة كانت واضحة: السياسات مستمرة، والاعتراض لا يغير شيئاً!
تسعيرة بلا عدالة... وشرائح بلا رحمة
المشكلة ليست في مبدأ تنظيم الاستهلاك، بل في الفجوة الهائلة بين الشرائح المعتمدة وتعرفتها ومستوى الدخل الفعلي للأسر.
الكهرباء ليست كماليات. إنها حاجة أساسية...
براد يحفظ الطعام من التلف.
مدفأة تحمي الأطفال من برد الشتاء.
مضخة ماء تؤمن الحد الأدنى من الحياة اليومية.
إنارة تتيح لطالب أن يدرس، ولموظف أن ينجز عملاً.
حين تُسعّر هذه الضرورات وكأنها رفاهية، يتحول التنظيم إلى عقاب، وتتحول الشرائح إلى فخ.
الغضب لم يعد بسبب الفاتورة فقط
لو كانت المشكلة في رقم مرتفع فحسب، لكان النقاش تقنياً. لكن ما يغضب الناس أكثر هو الشعور باللامبالاة. الشعور بأن صرخاتهم لا تُسمع، وأن ضيقهم لا يُرى، وأن السياسات تمضي وكأن حياة الملايين تفصيل ثانوي.
الإصرار على المضي في النهج ذاته رغم الامتناع الواسع عن الدفع ليس رسالة قوة، بل رسالة قطيعة. القطيعة بين من يضع القرار ومن يتحمل نتائجه. بين جداول الحسابات وموائد الناس الفارغة.
بين العجز والكرامة... لماذا يمتنع الناس عن الدفع؟
الامتناع عن التسديد ليس «تمرّداً» كما قد يُصوّر، بل موقف نابع من معادلة بسيطة:
دخل لا يكفي، مقابل فواتير تتضخم.
حين يجد المواطن نفسه مضطراً للاختيار بين فاتورة كهرباء وبين دواء أو غذاء، فإن الخلل ليس في سلوكه، بل في السياسة التي وضعت هذا الخيار القاسي أمامه. الامتناع هنا ليس إنكاراً للواجب، بل صرخة تقول: لم نعد قادرين.
استمرار السياسات ذاتها... مغامرة اجتماعية خطرة
إن تجاهل هذا الاحتقان المتصاعد ليس حلاً. فالفاتورة قد تصدر، لكن الغضب لا يُلغى بقرار إداري. وكلما تراكم الشعور بالظلم، اتسعت فجوة الثقة، وتآكلت المساحة المشتركة بين الناس ومؤسساتهم.
الاستمرار في سياسات لا تراعي الواقع المعيشي هو مغامرة اجتماعية غير محسوبة. لأن كلفة الغضب الشعبي حين يتراكم، أكبر بكثير من كلفة مراجعة تسعيرة أو تعديل شريحة.
المطلوب... مراجعة حقيقية لا بيانات شكلية
المطلوب حالياً إلغاء قرار التعرفة الظالم، ثم بعد ذلك خطوات واضحة وملموسة وعلنية...
إعادة النظر بالشرائح بما يتناسب مع متوسط الدخل الفعلي.
توسيع الاستهلاك المدعوم ليغطي الحاجات الأساسية فعلياً.
شفافية كاملة في آلية الاحتساب والتسعير.
فتح باب حوار حقيقي مع ممثلي الأهالي والخبراء المستقلين.
الناس لا تطالب بإعفاء كامل ودائم، بل بعدالة معقولة. لا تطلب امتيازات، بل حقاً في خدمة أساسية مستدامة وبسعر يتناسب مع قدرتها.
صوت الناس ليس تفصيلاً
ما يحدث اليوم ليس مجرد اعتراض على فاتورة، بل اختبار لمدى احترام صوت الناس. تجاهل هذا الصوت قد يوفر إيراداً آنياً، لكنه يراكم خسارة أكبر؛ خسارة الثقة.
الغضب مشروع حين تُمس الكرامة وضرورات الحياة. والسؤال الذي يفرض نفسه: هل تُسمع الرسالة قبل أن يتحول الاحتقان إلى أزمة أوسع؟
فاتورة الدورة السادسة لعام 2025 لم تكن ورقة جباية فقط، بل كانت لحظة كاشفة. لحظة تقول بوضوح إن الناس تريد عدالة، وتريد إنصافاً، وتريد سياسات ترى في حياتها أولوية لا عبئاً.
والرسالة الأوضح: الكرامة المعيشية ليست مطلباً ثانوياً... بل حق لا يقبل التأجيل.
معلومات إضافية
- العدد رقم:
- 1265