مشروع «صفر خيمة» أم «غرق الوعود»؟!
عكست السيول والفيضانات الأخيرة في إدلب واللاذقية مأساة متعددة الأبعاد تتجاوز كونها مجرد كارثة طبيعية عابرة، لتكشف عن إخفاق تراكمي في معالجة ملف النازحين واللاجئين السوريين، وذلك بعد مرور أكثر من أربعة أشهر على مشروع «صفر خيمة»، الذي أطلقته وزارة الطوارئ وإدارة الكوارث.
كما تعكس هذه المأساة إخفاقات المنظومة السياسية والاقتصادية، حيث لا تغرق الخيم بالمياه فقط، بل يغرق اللاجئون والنازحون في الوعود واليأس وفقدان الأمل!
فقد كان التأثير المباشر لهذه الكارثة مروعاً بكل المقاييس؛ فالتقارير الرسمية تشير إلى غرق وتلف خيام في مناطق خربة الجوز بريف إدلب الغربي، وريف جسر الشغور، ومنطقة عين عيسى بريف اللاذقية الشمالي، فيما تعرض 14 مخيماً لأضرار مباشرة، وتأثرت نحو 300 عائلة بعد انهيار خيامها.
ولا مفرّ من التذكير بأن التقارير الصادرة في نهاية العام 2025 عن المفوضية السامية للأمم المتحدة لشؤون اللاجئين، تشير إلى أن 2,3 مليون سوري ما زالوا يعيشون في نحو 1750 موقعاً داخل سورية، بالإضافة إلى استمرار معاناة اللاجئين في مخيمات دول الجوار، والذين لا تقل أوضاعهم سوءاً، ولكن لم تضربهم كارثة بحجم كارثة مخيمات إدلب من شأنها أن تُعيد إنعاش ذاكرة الحكومة بوجودهم!
الاستجابة الإنسانية غير كافية
رغم عمل وزارة الطوارئ على إنشاء مراكز إيواء مؤقتة في المدارس، لكن يبقى التعامل مع الأزمة بمنطق الحلول الجزئية. فبدلاً من تبني مقاربة شاملة تعالج فعلاً الأسباب الجذرية للنزوح وتوفر حلولاً مستدامة، يقتصر الاهتمام على الاستجابة الطارئة بعد وقوع الكارثة.
ومع أن المساعدات العاجلة قد تخفف من المعاناة اللحظية، إلا أنها لا تساهم في بناء بنى تحتية، ولا توفير بيئة آمنة، أو فرص عمل سواء داخل أو خارج بيئة المخيم، ولا سيما بوجود فجوة بين الخطاب والممارسة.
ففي الوقت الذي يُعلن فيه عن توقيع اتفاقيات بالمليارات، يظل الواقع على الأرض صادماً، ما يؤجج من مشاعر الإحباط واليأس لدى النازحين، ويثير الشكوك حول جدية الالتزامات بتحسين أوضاعهم.
أزمة مركبة
مهما تعددت المبادرات، ومهما كانت النوايا حسنة، ستبقى عاجزة عن إغلاق الملفات الكبرى، وفي مقدمتها ملف النزوح والمخيمات. فالتعامل مع هذه القضية يتطلب رؤية أبعد من تقديم المساعدات الإغاثية المؤقتة، ويتطلب خططاً شاملة توفر التنمية المستدامة، وتهيئ الظروف اللازمة لعودة كريمة وآمنة للنازحين.
ولا يمكن لذلك أن يتحقق إلا من خلال مقاربة وطنية جامعة وتشاركية؛ فالتحديات اليوم ليست قضايا منفصلة.
ومع كل كارثة وكل حدث، تثبت صوابية وضرورة انعقاد مؤتمر وطني عام، بوصفه إطاراً جامعاً لمناقشة وحل جميع جوانب الأزمة المركبة؛ السياسية والاقتصادية-الاجتماعية والمعيشية والخدمية.
فالخيارات واضحة؛ إما الاستمرار في دورة المعاناة، وإبقاء الجراح مفتوحة، أو اعتماد رؤية استراتيجية ووطنية شاملة تضع مصلحة الناس المفقرة فوق كل اعتبار، وتحول الفئات الهشة من عبء إنساني إلى طاقة منتجة تُساهم في إعادة بناء سورية.