سورية تغلي... غضب شعبي بلا سقف

سورية تغلي... غضب شعبي بلا سقف

في شوارع دمشق ومحافظات سورية الأخرى، لا شيء يبدو طبيعياً بعد الآن. الغضب الشعبي يتصاعد يوماً بعد يوم، وصرخات المحتجين تتردد أمام مقرات الجهات الرسمية كما لو كانت صدى سنوات من الإهمال والمعاناة. لا تقتصر هذه الاحتجاجات على فئة واحدة؛ بل تشمل شرائح واسعة من المجتمع، كل واحدة متضررة بطريقتها من سياسات وممارسات جعلت الحياة اليومية شبه مستحيلة.

المعلمون يصرخون من أجورهم المهدورة التي لا تكفي لأبسط مستلزمات حياتهم، وسائقو الشاحنات والمواصلات يعيشون صراعاً يومياً لتغطية تكاليف المعيشة، بينما الأسر الفقيرة ترى أطفالها بلا تدفئة في ليالي البرد القارس، ويقف الآباء عاجزين أمام أبسط ضروريات أبنائهم؛ طعام يكفي، أغطية تحميهم من الصقيع، تعليم يمكن أن يفتح لهم باب الأمل.
ارتفاع الأسعار لم يعد مجرد رقم على السلعة، بل واقع يومي يثقل كاهل الناس. فالكهرباء أصبحت حلماً بعيد المنال، وأسعار المواصلات تتصاعد بلا رقابة، والإنترنت والاتصالات يكادان يصبحان رفاهية لا يستطيع معظم السوريين تحمّلها. كل ذلك في وقت انقطع فيه
الدعم الحكومي الذي كان يشكل متنفساً للناس، فمن دون دعم، تزداد المعاناة وتختنق الحياة اليومية.
وبينما يحاول المواطنون تحمل كل هذه الأعباء الاقتصادية، يزداد الغضب بسبب الفوضى الأمنية والانفلات المستشري في الشوارع. فعمليات السلب والنهب والقتل والخطف أصبحت مألوفة، والناس يعيشون بلا حماية، وكأن الدولة غائبة عن دورها في حفظ الأمن أو تطبيق القانون. كل يوم يزداد الاحتقان، وتنتشر القصص عن معاناة الأسر، الشباب الذين فقدوا الأمل، والموظفين المفصولين تعسفياً، فيصبح الغضب شعوراً جماعياً لا يمكن تجاهله.

الغضب الشعبي في سورية ليس عارضاً عابراً، بل نتيجة تراكم طويل من الظلم والفقر والإهمال. سنوات من الصبر انتهت، ومواطنون لم يعودوا قادرين على السكوت. كل يوم صمت رسمي يزيد من شعورهم بالخذلان، وكل ساعة تأجيل لإصلاح أعطال الكهرباء، أو تأمين وسائل التدفئة، أو تحسين الأوضاع المعيشية، تقوي نار الاستياء، وتجعل الشوارع أكثر حرارة، ويزداد تصميم المواطنين على التعبير عن غضبهم بكل الوسائل المتاحة.
اليوم، سورية تغلي تحت طبقات من الألم واليأس، والشوارع ممتلئة بصوت المواطنين الذين لم يعد بإمكانهم الصمت. كل لحظة صمت تزيد احتمال انفجار شامل، وكل تأجيل في معالجة مطالب الناس يزيد من احتمال الفوضى ويجعل الشعب يواجه واقعاً مريراً بلا حماية، بلا كرامة، وبلا أمل، إلا إذا استجابت الدولة لمطالبهم الحياتية الملحة قبل أن تتحول المدن إلى ساحات مواجهة لا يمكن التنبؤ بنتائجها.
سورية اليوم تبدو على شفير الانفجار، والغضب الشعبي أصبح قوة لا يمكن كبحها. إذا استمرت السياسات الظالمة، وغياب الخدمات، والفساد والمحسوبية، فإن الشارع سيصبح مكاناً ليس فيه صوت واحد، بل موجة عارمة من الاحتقان الجماعي، تذكر الجميع بأن صبر المواطن له حد، وأن العدالة والأمن والحياة الكريمة لم تعد خياراً بل مطلب لا يمكن التنازل عنه.

معلومات إضافية

العدد رقم:
1265