الصناعات النسيجية في مفترق طرق... دعمها ضرورة وطنية لإنقاذ الإنتاج وحماية الاقتصاد

الصناعات النسيجية في مفترق طرق... دعمها ضرورة وطنية لإنقاذ الإنتاج وحماية الاقتصاد

في ظل التحديات الاقتصادية المتراكمة التي تواجه الصناعة الوطنية، عقدت لجنة صناعة الألبسة الجاهزة في غرفة صناعة دمشق وريفها اجتماعاً موسعاً مع إدارة القطاع النسيجي بتاريخ ١٤ شباط ٢٠٢٦، لوضع اليد على مكامن الخلل التي تعيق هذا القطاع الحيوي، وبحث السبل الكفيلة بإنقاذه وتعزيز قدرته على المنافسة ضمن بيئة سوق مفتوح تزداد فيها الضغوط يوماً بعد يوم.

الاجتماع لم يكن مناسبة بروتوكولية، بل جاء تعبيراً عن حالة قلق حقيقية يعيشها الصناعيون في قطاع يُعد من أعرق ركائز الاقتصاد السوري وأكثرها تشغيلاً لليد العاملة. فالصناعات النسيجية والألبسة الجاهزة ليست مجرد نشاط إنتاجي تقليدي، بل منظومة اقتصادية متكاملة تمتد من معامل الغزل والنسيج إلى الورشات الصغيرة، مروراً بسلاسل التوريد والنقل والتوزيع، وصولاً إلى الأسواق المحلية والخارجية. وهي بذلك تؤمّن فرص عمل مباشرة وغير مباشرة لعشرات الآلاف، وتشكل مورداً تصديرياً مهماً قادراً على رفد الاقتصاد بالقطع الأجنبي متى توفرت له البيئة الداعمة.

وخلال الاجتماع طُرحت التحديات بوضوح، وفي مقدمتها الارتفاع الكبير في تكاليف الطاقة، سواء الفيول أو الكهرباء، وما يترتب عليه من تضخم في كلفة الإنتاج يضعف القدرة التنافسية للمنتج السوري. كما جرى التوقف عند إشكالية الرسوم الجمركية المفروضة على الخيوط والأقمشة، وارتفاع حوامل الطاقة على منشآت إنتاج الخيوط، الأمر الذي ينعكس سلباً على مصانع التريكو ويهدد استمراريتها ويضع فرص العمل فيها على المحك. ولم تغب عن النقاش مسألة التعرفة الجمركية للأقمشة بأنواعها، والحاجة إلى آليات جمركية أكثر عدالة ومرونة تحمي الصناعة الوطنية من جهة، وتخفف الأعباء عن المنتجين من جهة أخرى.
كما أكد المجتمعون ضرورة إعادة تفعيل مختبرات الجمارك لضمان فحص وتصنيف المواد بدقة وشفافية، بما يحد من الاجتهادات التي تفرض تكاليف إضافية على الصناعيين. وطالبوا بإعفاء بعض مدخلات الإنتاج غير المصنعة محلياً، مثل إكسسوارات الألبسة، من الرسوم الجمركية، باعتبار أن استمرار فرضها يرفع تكلفة المنتج النهائي دون أي فائدة للاقتصاد الوطني. كذلك شددوا على أهمية تقديم كشف تكلفة شامل لمختلف مراحل الإنتاج الصناعي، للوصول إلى بيانات دقيقة تسهم في صياغة سياسات واقعية قائمة على الأرقام لا على التقديرات.

وفي سياق تعزيز الحضور الخارجي للمنتج السوري، جرى التأكيد على ضرورة تسهيل عمليات التصدير إلى دول الجوار، وفي مقدمتها مصر والأردن، وطرح مبدأ المعاملة بالمثل لمعالجة الاختناقات التجارية، بما يفتح آفاقاً أوسع أمام الصناعة الوطنية ويعزز التعاون الاقتصادي الإقليمي.
إن مجمل هذه المطالب لا يمكن النظر إليها باعتبارها مطالب فئوية أو قطاعية ضيقة، بل هي تعبير عن حاجة اقتصادية ووطنية ملحّة. فإهمال هذا القطاع يعني خسارة طاقات إنتاجية كبيرة، وتفاقم البطالة، وتراجع الصادرات، وزيادة الاعتماد على المستوردات. أما دعمه بصورة مدروسة فيعني الحفاظ على قاعدة صناعية تاريخية، وتعزيز القيمة المضافة المحلية، وتحقيق دوران اقتصادي ينعكس إيجاباً على مجمل القطاعات.

من هنا، فإن المطلوب من الحكومة ليس الاستماع إلى هذه المطالب فقط، بل التعامل معها بوصفها أولوية استراتيجية. ويتجسد ذلك في تبني خطة شاملة لدعم الطاقة للصناعات النسيجية، وإعادة هيكلة التعرفة الجمركية بما يوازن بين حماية الإنتاج الوطني وضبط السوق، وتبسيط إجراءات التصدير، وتحسين جودة المنتجات المحلية عبر دعم تقنيات الإنتاج وتحديثها.
إن النهوض بقطاع الصناعات النسيجية ليس خياراً مؤجلاً، بل ضرورة اقتصادية ووطنية تمليها متطلبات التعافي والاستقرار. فحين تستعيد هذه الصناعة عافيتها، فإنها لا تحمي مصالح المنتجين فحسب، بل تسهم في ترسيخ الأمن الاقتصادي والاجتماعي، وتؤكد أن دعم الصناعة الوطنية هو الطريق الأقصر نحو تنمية مستدامة قائمة على الإنتاج لا الاستيراد.

معلومات إضافية

العدد رقم:
1265