سوق العمل في سورية، مشوّه أم ذهب مع الريح؟!
قبل سنوات، كان السؤال: كيف يجد المواطن السوري فرصة عمل؟
واليوم بات السؤال الأكثر إيلاماً، أين هو سوق العمل أساساً؟!
فالحديث عن سوق العمل يفترض وجود جهات فاعلة من القطاع العام إلى الخاص، والواقع يثبت تراجع القطاع العام وتقليص عدد موظفيه، بينما القطاع الخاص مشلول وغير مستقر، واستمرار الفجوة المتنامية بين متطلبات سوق العمل الذي أصبح شبحاً بالكاد يُرى، ومهارات الباحث عن العمل، أي إن أعداد العاطلين عن العمل في ازدياد وسيزداد معها الفقر والمشكلات الناتجة عنه.
بطالة تفوق 60%، والشهادة الجامعية بلا سوق
تشير البيانات الرسمية وفق تصريح لوزير الاقتصاد والصناعة «محمد نضال الشعار» أن نسبة البطالة تفوق 60%، مع وجود نحو 2,7 مليون شاب سوري لا يجيدون القراءة أو الكتابة ولا يستطيعون أداء أي عمل، وأن واحداً من كل أربعة أشخاص في سورية عاطل عن العمل، هذه الأرقام ليست مجرد إحصاءات بل إعلان واضح عن انهيار لدور الدولة في إدارة واستثمار المورد البشري.
كما أن الشهادة الجامعية أصبحت بلا قيمة عندما لا يقابلها معادل موضوعي في سوق العمل، وهنا تكمن المعضلة الأكبر وهي غياب مواءمة التعليم في سورية بين مخرجاته واحتياجات السوق، ومن المؤسف تخريج الآلاف سنوياً وفق سياسة الكم لا النوع والحاجة، بينما الاقتصاد يتطلب الجانب التقني والمهني افتراضاً، والخلاصة بطالة متعلمة وإحباط واسع وهجرة صامتة مضاعفة.
العام يتراجع والخاص لا يستطيع التوسع
ما كان سابقاً ملاذاً آمناً تحول اليوم إلى عبء وورقة ضغط، حيث تراجع عدد موظفي القطاع العام نتيجة قرارات الفصل التعسفي المستمرة، ولما وِصف «بالبطالة المقنعة»، لكن هذه الذريعة أوصلت إلى قرارات فصل جماعية اختلط فيها الحابل بالنابل، فلم تكن إصلاحاً إدارياً وإعادة هيكلة بل إعلان نوايا لانسحاب القطاع العام من جبهات العمل، فأقصت موظفين عن وظائفهم بعد سنوات طويلة من الخدمة من دون تعويض أو مساعدة في إيجاد بديل فعلي لتأمين مصدر عيش، وترافق ذلك مع إغلاق وتوقف بعض المؤسسات العامة.
مقابل عمليات الفصل التعسفي من القطاع العام وتوقف بعض جهاته ارتفعت معدلات البطالة بشكل كبير.
وأمام هذا التراجع للقطاع العام، أين القطاع الخاص؟
واقع الحال يقول إن القطاع الخاص الصناعي المنتج، بمنشآته الصغيرة والمتوسطة والكبيرة، يعاني من الصعوبات والمعيقات، وبعض منشآته توقفت أو قيد التوقف، أما المناخ الاستثماري فمضطرب وهش بسبب عدم الاستقرار الاقتصادي والسياسي والأمني، ومن حال تعقيد بعض الإجراءات كأحد مفرزات البيروقراطية المستمرة، مما أثنى القطاع الخاص عن التوسع وأضعفه وقيّد من قدرته على استيعاب اليد العاملة،
بل بات يزج البعض منها الى البطالة مجدداً بسبب استمرار معيقاته.
لماذا لم تتحرك الحكومة؟
تم الإعلان عن منصات توظيف هنا وهناك، لكنها مجرد سياسة ترقيعية لا تُخفي غياب الاستراتيجية- السياسية الاقتصادية- الشاملة لعلاج مشكلة البطالة وخلق جبهات العمل، سواء للقطاع العام أو الخاص، والمسؤولية الرسمية هنا تتمثل بداية بغياب الرؤية، خاصة بعد إنتاج هذه النسبة الكبيرة من البطالة. وفي حال عدم التحرك بهذا الاتجاه سيبقى ما يجري إدارة ترقيعية لأزمة يومية، مستمرة ومتفاقمة، وليس إصلاحاً، وكأنه حدث عابر لا خلل هيكلي يضرب عمق المجتمع والدولة معاً.
تؤكد التجارب العالمية أن التعافي يبدأ بالاستثمار بالإنسان، وبحال لم تتحول الأولويات الحكومية من سياسات الترقيع إلى خطة وطنية طارئة تبدأ بهيكلة التعليم والتركيز على مخرجاته، وتمر بدعم الإنتاج (الصناعي والزراعي-العام والخاص)، ولا تنتهي بتشجع الاستثمار في الإنتاج الحقيقي، فإن الـ 60% بطالة حالياً لن تكون ذروة الأزمة بل الفتيل لانفجار اجتماعي قد لا يمكن السيطرة عليه.
المطلوب أيضاً
كذلك يجب على الحكومة أن تدعم المشاريع الصغيرة ومتناهية الصغر وتكون شريكاً لها بالتمويل وليس بالمساعدة الشكلية فقط، بدراسة الجدوى أو بتذليل بعض الصعوبات والمعيقات، لكونها مستقطبة ومشغلة لفرص العمل المباشر وغير المباشر، والأهم التوقف عن الترويج لرخص اليد العاملة السورية كعامل استقطاب للاستثمارات الكبيرة «المأمولة»، مما يعني وضع سقف متدنٍ سلفاً للرواتب، والتبخيس بالعمالة السورية المبدعة والماهرة والكفؤة بصورة رخيصة ومبتذلة تحت عنوان تشجيع الاستثمار. بالتوازي مع ذلك يجب تحفيز الاستثمار في القطاعات الإنتاجية والتنموية بإعفاءات ضريبية وتسهيلات عادلة ومشجعة، على أن تطرح فرص العمل، جميعها، بشفافية بالاعتماد على الخبرة والمهارة والاختصاص، بعيداً عن المحسوبيات والولاءات.
أخيراً لا بد من الاعتراف بأن إعادة رسم سوق العمل وإدارته وطنياً لا تتم بعصا سحرية، بل نعيد ونكرر أن ذلك يبدأ من الاستقرار السياسي والأمني، مما يؤكد أن الحل سياسي أولاً، قبل أن يكون اقتصادياً.
معلومات إضافية
- العدد رقم:
- 1265
رهف ونوس