دمشق تُؤجَّر لأربعين عاماً... حين تتحول الحدائق العامة إلى غنائم استثمارية
ما أعلنته محافظة دمشق في الآونة الأخيرة عن طرح مواقع وحدائق عامة للاستثمار بنظام (B.O.T) لمدة أربعين عاماً لا يمكن التعامل معه كخبر إداري عابر، ولا كمشروع تطوير حضري بريء، بل كخطوة خطِرة في مسار تفريغ الملك العام من مضمونه، وتحويله إلى سلعة طويلة الأجل بيد قلة، على حساب مدينة مكتظة وسكان محرومين من أبسط حقوقهم في الفضاء العام.
40 عاماً... ليس استثماراً بل مصادرة
أربعون عاماً ليست مدة تقنية لاسترداد كلفة مشروع، بل عمر جيل كامل. جيل سيولد ويكبر وربما يشيخ، فيما حدائق مدينته مغلقة، محاطة، أو مُعاد تعريفها كمساحات استهلاكية مدفوعة.
أي منطق يبرّر منح مواقع عامة شديدة الحساسية، وفي قلب العاصمة، ولمدة تكاد توازي نصف قرن، دون نقاش عام أو تفويض مجتمعي؟
الحدائق خارج الخدمة... والمدة مجهولة
أخطر ما في الإعلان الرسمي ليس ما ورد فيه، بل ما تم تجاهله عمداً.
فلم تُحدد محافظة دمشق:
مدة تنفيذ المشاريع.
مراحل التنفيذ.
نسبة الإغلاق الجزئي أو الكلي.
ما يعني عملياً إخراج حدائق المدفع والبرامكة من الخدمة العامة لفترة مفتوحة بلا سقف زمني.
فالحديقة التي تشكّل المتنفس الوحيد للأطفال والعائلات ستتحول إلى: ورشات حفر- ضجيج- إسمنت- وشاحنات ثقيلة، دون أي التزام زمني أو غرامات تأخير أو بدائل خضراء مؤقتة.
إعلان مليء بالفراغات المتعمدة
الإعلان، رغم طوله، خلا من أبسط مقومات الشفافية، وأغفل أسئلة جوهرية تمس جوهر المصلحة العامة، أبرزها:
أين دراسات الجدوى الاقتصادية التي تبرّر مدة 40 عاماً؟
ما العائد المالي الحقيقي الذي سيعود على المحافظة؟
ما هي نسبة تقاسم الأرباح بين المستثمر والمدينة؟
هل تخضع أسعار المواقف، الخدمات، والمرافق التجارية لأي رقابة؟
ما الإطار القانوني الناظم لهذه العقود؟
أين آلية التحكيم والمساءلة؟
أين دراسة الأثر البيئي لمشاريع تُنفَّذ تحت حدائق قائمة؟
ما الضمانات الفعلية لعدم المساس بالمساحات الخضراء؟
من يراقب التنفيذ؟ ومن يملك حق الفسخ؟ ومتى؟
الصمت عن هذه الأسئلة ليس تفصيلاً، بل إقراراً ضمنياً بانعدام الشفافية.
مواقع ذهبية... تُمنح بلا توازن
المواقع المطروحة ليست هامشية أو خاسرة: فهي في قلب دمشق وذات حركة كثيفة- وطلب دائم.
والمشاريع المقترحة ليست خدمية بالمعنى الاجتماعي، بل:
مراكز تجارية.
مرائب مدفوعة.
فندق خمس نجوم.
أي مشاريع عالية الربحية وقليلة المخاطر.
ومع ذلك، تُمنح هذه المواقع دون شروط توازن واضحة، ودون إعادة تقييم دوري، ودون سقف أرباح.
ليصبح العقد أقرب إلى امتياز خاص طويل الأمد لا إلى شراكة تنموية عادلة.
الإيرادات... كلمة لتبرير التفريط
تختبئ المحافظة خلف شعار «تعزيز الإيرادات»، لكنها لم تجرؤ على إعلان رقم واحد، فلا تقدير دخل، ولا حد أدنى مضمون، ولا مقارنة بين الربح والخسارة الاجتماعية. الإيرادات هنا ليست سياسة مالية، بل ذريعة جاهزة لتسويق نقل المرافق العامة إلى القطاع الخاص.
من المرفق العام إلى سلعة
الحديقة ليست قطعة أرض، بل هي حق اجتماعي، وصحة نفسية، ومساحة توازن في مدينة خانقة.
وحين تُحاط بأنشطة مدفوعة، وتُدار بمنطق السوق، تُفرَّغ من جوهرها حتى لو بقي اسمها «حديقة».
هكذا تجري خصخصة الحق العام دون إعلان خصخصة.
مدينة بلا مواطنين
لم يُذكر في الإعلان ما هو رأي سكان الأحياء المحيطة، ولا عن مشاركة المجتمع المحلي، ولا أي شكل من أشكال التشاور.
فالمدينة تُدار كأنها ملك خاص، والمواطن مجرد مستخدم يُستدعى للدفع لا للشراكة.
هذا ليس تطويراً
ما يجري اليوم هو: تفريط بالملكية العامة، وتغييب للشفافية، ومنح امتيازات طويلة الأمد بلا محاسبة!
التطوير الحقيقي يبدأ بحماية الحق العام، لا بالحفر تحته.
أما ما يحدث الآن، فهو بيع مؤجل للمدينة بعقود طويلة وأسئلة ممنوعة.
فالحديقة التي ستُغلق اليوم باسم الاستثمار... لن تعود غداً باسم المصلحة العامة!
معلومات إضافية
- العدد رقم:
- 1262