حين تصبح الجباية سياسة... وتُختزل العدالة بالأرقام

حين تصبح الجباية سياسة... وتُختزل العدالة بالأرقام

نُقل تعليق عن وزير المالية يسر برنية بتاريخ 28 كانون الثاني قال فيه إنّ الحكومة تتجه إلى رفع الضرائب على الكحول ومنتجات الدخان ومشروبات الطاقة والمشروبات والمنتجات عالية السكر، موضحاً أنّ هذه الإجراءات تستهدف السلع الضارّة بالصحة العامة. وأوضح أنّ الهدف الأساسي من هذه السياسة هو مكافحة التهريب، مشيراً إلى أنّ نسب الضرائب المقترحة مماثلة لما هو معمول به في عددٍ من الدول الأخرى. وأكد أنّ الضرائب في سورية ستكون منافسة مقارنة بدول الجوار وأقلّ منها، لافتاً إلى أنّ الوزارة ستجري دراسة شاملة للعبء الضريبي ومقارنته مع الدول المجاورة للتأكّد من عدالته وملاءمته للواقع الاقتصادي.

ليس الخطر في تعليق وزير المالية عن الضرائب على الكحول أو الدخان أو السكر، فهذه سلع يمكن– نظرياً– تصنيفها ضمن «الضارّة بالصحة العامة». لكن الخطر الحقيقي، والفادح، يكمن في العقلية التي تتعامل مع الجباية وكأنها غاية بحد ذاتها، لا أداة ضمن سياسة اقتصادية شاملة، وفي منطق المقارنة مع دول الجوار دون أي اعتبار للفارق الكارثي في مستوى الدخل والعيش.
أن تقول الحكومة إن ضرائبها «مماثلة» أو «أقل من دول الجوار» هو قول مضلل، بل مستفز. فالمقارنة العادلة لا تكون بين نسب ضرائب مجرّدة، بل بين عبء ضريبي حقيقي يتحمله مواطن حقيقي.
ما قيمة أن تكون الضريبة أقل من دولة مجاورة إذا كان الحد الأدنى للأجور هناك يساوي أضعاف راتب الموظف السوري؟
وما معنى «المنافسة الضريبية» حين يكون المواطن هنا عاجزاً عن تأمين أساسيات حياته؟

الجباية في سورية لم تعد وسيلة لتنظيم الاقتصاد أو تمويل خدمات عامة، بل تحوّلت إلى سلوك قهري، إلى سياسة قائمة على استخراج ما تبقى من جيوب منهكة، بلا رؤية، بلا عدالة، وبلا خجل.
فالمواطن لا يشعر أن ما يدفعه يعود عليه بشيء... فلا خدمات، ولا بنى تحتية، ولا حماية اجتماعية. ضرائب ورسوم فقط، بأسماء مختلفة، وتبريرات جاهزة.
ثم يأتي الحديث عن «مكافحة التهريب» كذريعة إضافية. فالتهريب لا يُكافَح بزيادة الضرائب في اقتصاد منهار، بل يُغذّى به.
فكل ليرة إضافية تُفرض على منتج مرخّص، هي دعوة مفتوحة إلى توسيع السوق السوداء، ومعاقبة من لا يزال يحاول العمل ضمن القانون.
ومن يدفع الثمن دائماً؟ ليس المهرّب، بل المستهلك وصاحب العمل الصغير.
الأكثر استفزازاً هو تغييب الواقع المعيشي عن الخطاب الرسمي.

فلا كلمة عن رواتب لا تكفي لأيام، وعن تضخم يلتهم كل زيادة، وعن عائلات باتت تحسب ثمن الخبز قبل أي شيء آخر.
فالحديث عن «دراسة شاملة للعبء الضريبي» يبدو فارغاً ما لم يبدأ من سؤال بسيط: كم يكسب السوري؟ وكم يبقى في جيبه بعد كل هذه الجبايات؟
العدالة الضريبية لا تُقاس بجداول المقارنة مع دول أخرى، بل بقدرة المواطن على العيش بكرامة بعد أن يدفع ما عليه. وأي سياسة مالية تتجاهل هذه الحقيقة، هي سياسة جباية جائرة، مهما تجمّلت بشعارات الصحة العامة أو محاربة التهريب.
المشكلة ليست في الضريبة، بل في النظام الذي يرى في المواطن رقماً، وفي جيبه مورداً، لا إنساناً يئن تحت ثقل الفقر. وهذا ما يجب أن يُقال بوضوح، وبكل الغضب، لأن الصمت لم يعد خياراً.

معلومات إضافية

العدد رقم:
1263