«صنع في سورية...» رغم أعوام الحرب وغياب الدعم؛ الصناعة النسيجية تقود معركة البقاء!
فرح شرف فرح شرف

«صنع في سورية...» رغم أعوام الحرب وغياب الدعم؛ الصناعة النسيجية تقود معركة البقاء!

تقدم صناعة التريكو نموذجاً للصناعة الوطنية الصامدة رغم الظروف الاستثنائية، ودليلاً حيّاً على أن الأوان لم يفت بعد لإعادة إنعاش التصنيع والمعامل؛ فمنذ أن تأسست جمعية الحرفيين منذ أكثر من خمسة عقود، وخلال 15 عاماً من الأزمة، لم تتوقف الماكينات عن الدوران، تحركها أيادٍ سورية تدرك ماذا يعني «المنتج المحلي».

لكنها، كغيرها من الصناعات، بالأخص النسيجية، تعاني من موجة غلاء فاحشة وارتفاع مهول في تكاليف الإنتاج، ومع ذلك لا يزال التجمع الصناعي الأكبر في الزبلطاني، الذي يضم أكثر من 500 معمل وورشة، يحاول تقديم منتج قادر على منافسة المستورد.


تحديات المنافسة


عُقد في الثامن من آب العام الماضي اجتماع في غرفة صناعة دمشق وريفها، كان الهدف منه الخروج بحلول للصعوبات التي تواجه الصناعة النسيجية، خاصة في مجال صناعة التريكو.
وأهم ما ورد على الموقع الإلكتروني لغرفة الصناعة هو قضية إغراق الأسواق بالملابس المستوردة، من ستوكات وبالات وتصافي الشركات العالمية.
ورغم تأكيدهم على ضرورة منع الاستيراد لفترة تتراوح ما بين 6 أشهر إلى سنة، حتى تتمكن المعامل من استعادة قدرتها التنافسية، إلا أن طلباتهم لم تلقَ آذاناً مصغية على ما يبدو.
فالسوق المحلية تعجّ بمنتجات مستوردة وبأسعار يصعب على المنتج المحلي
منافستها، لما يتحمله من تكاليف إنتاج وتشغيل أعلى. علماً أن هذا الوضع لا يؤثر على الأرباح فقط، بل يطال القدرة على الاستثمار في التكنولوجيا الحديثة وتطوير المنتجات، وبالتالي يحد من قدرة الصناعة الوطنية على التطور والابتكار.
القضية الثانية تناولت المنتجات المهربة التي تشكل تحدياً آخر؛ فهذه البضائع لا تخضع لرسوم جمركية أو مواصفات قياسية، ما يمنحها ميّزة سعرية غير عادلة. كما لا يقتصر ضررها على الصناعيين، والمستهلكين الذين يجهلون مصدرها ومواصفاتها، بل تُفقد الدولة إيرادات جمركية كان يمكن استغلالها لدعم القطاعات الإنتاجية.
يُضاف إلى الصعوبات المذكورة، ارتفاع تكاليف الطاقة، من كهرباء ووقود، والتي تشهد ارتفاعات متتالية، وهو ما ينطبق كذلك على أسعار المواد الأولية المستوردة.


أزمة الركود


يشكل انخفاض القدرة الشرائية للمستهلكين تحدياً آخر. ففي ظل متوسط رواتب وأجور متدنية، وأسعار ملابس مرتفعة، أصبح اقتناء المنتج الوطني رفاهية يصعب تحمّلها بالنسبة للغالبية العظمة من السوريين.
فعلى سبيل المثال، لا يقل سعر البنطال الجينز الرجالي عن 300 ألف ليرة، فيما يتراوح سعر الكنزة بين 150 و400 ألف ليرة، بينما الرواتب والأجور بالكاد تتجاوز عتبة المليون ليرة شهرياً، ما يدفع المواطن إلى تقليص مشترياته من الملابس أو البحث عن بدائل أرخص في البالات التي باتت منتشرة كالفطر.


معركة للبقاء


ما يعبر عنه الصناعيون في الزبلطاني وغيرها، يتجاوز مجرد المنافسة الاقتصادية، بل تحول إلى معركة للحفاظ على الهوية الوطنية. فالأمر يتعلق بالدفاع عن وجود منتج وطني أصيل في مواجهة ما يمكن وصفه «بالغزو البضائعي».
فالصناعات النسيجية، هي حرفة متجذرة تاريخياً، وتمثل جزءاً من التراث الثقافي، وخسارتها تعني خسارة جزء ثمين من الذاكرة الجمعية والمعرفة المتراكمة عبر الأجيال.
بالإضافة إلى ما يشكله تراجعها من خطر على الأسر المعتمدة على هذا القطاع، حيث يرتبط مصير آلاف الأسر وحياتها ومستقبلها بشكل مباشر وغير مباشر بالصناعات النسيجية؛ ففقدان فرص العمل وتراجع الدخل، يعني مزيداً من التدهور في المستوى المعيشي لهذه العائلات، وزيادة في معدلات البطالة والفقر.
ما يعكس ضرورة تفعيل الرقابة على المستوردات، ومكافحة التهريب بحزم، ووضع سياسات حمائية فعالة؛ فخيار الدعم الحكومي للصناعة الوطنية ليس تَرفاً بل ضرورة استراتيجية، واستثماراً طويل الأمد في الهوية والتراث وفي مستقبل آلاف الأسر.

معلومات إضافية

العدد رقم:
1262