التعرفة الجديدة تجرّف آخر ما تبقى من كرامة السوريين
في دورة الكهرباء السادسة لعام ٢٠٢٥، بدأ المواطن السوري يكتشف «الصدمة» التي كانت تُحضّرها له وزارة الطاقة منذ أشهر، لكن الآن أصبحت واقعاً ملموساً في صورة أرقام مرعبة تَظهر على فواتيره. أرقام تجاوزت المليون ليرة في بعض الحالات، وكأن الكهرباء لم تعد خدمة حياتية ضرورية بل «سلعة فاخرة» تُباع بسعر التكلفة والربح، دون أدنى مراعاة للواقع المعيشي الهش.
نعم، وصلنا إلى هذا الحد: أن تُصبح فاتورة الكهرباء مَحكاً للعيش، وأن يترتب على ضوء في المنزل أو تشغيل مروحة في حرارة الصيف سداد مبلغ يفوق دخل عائلة كاملة، في بلد تُقتل فيه القدرة الشرائية يومياً، وتنهار فيه الرواتب أمام موجة الأسعار التي لا تعرف رحمة.
أين العدالة؟ وأين «الدعم» الذي يُتحدث عنه؟
يدّعون أن التعرفة الجديدة «تصحيح اقتصادي» و«توزيع عادل للعبء». لكن العدل الحقيقي لا يكون عندما يدفع الفقراء ثمن خدمة حياتية ضرورية كالكهرباء بأكثر من مليون ليرة، بينما لا خوف على جيوب الأغنياء، لأنهم ببساطة يستطيعون تحمّلها.
أين العدالة حين يصبح دعم الدولة مجرّد كلام على الورق، بينما تتحول الشرائح إلى مصيدة للمواطن، تلتقطه وتُرهقه؟
أين العدالة حين يصبح «الحد المدعوم» مكلفاً جداً وقطرة في بحر، بينما يتم حساب ما فوقه بأسعار تقترب من الجنون؟
الفواتير ليست مجرد أرقام...إنها حكمٌ بالإعدام على الفقراء
الفاتورة التي تجاوزت مليون ليرة ليست مجرد مبلغ؛ إنها بمثابة رسالة إدانة رسمية!
إدانة لمن يعيشون على راتب لا يكفي أياماً- إدانة لمن يحملون أعباءً أسرية وديوناً تفوق طاقتهم- إدانة لمن لا يملكون رفاهية «توفير» الكهرباء، لأن الكهرباء أصبحت مثل الهواء: لا يمكنك الاستغناء عنها، لكنها تُفرض عليك كضريبة على الحياة نفسها.
لقد تحوّلت الكهرباء من «حق» إلى «سوق» بامتياز، وبأعلى الأسعار الممكنة.
المواطن لا يطلب «هدية...» يطلب ألّا يُسحق
الشعب لا يطلب دعماً «بالمعنى اللفظي» فحسب، بل يطلب الاعتراف بأن هناك فئة لا تستطيع أن تتحمل.
يطلب إعادة النظر في التعرفة الظالمة والمجحفة، وإعادة الشرائح إلى ما كانت عليه، أو على الأقل:
تخفيض تعرفة الشريحة «المدعومة» ورفع سقفها، بشكل حقيقي وبما يلبي حاجات الاستهلاك الضرورية لحياة إنسانية، وبما يتناسب مع قدرة الغالبية المفقرة وأصحاب الدخل المحدود.
تخفيض الأسعار في الشريحة الأعلى بما يراعي العدالة.
ووقف «حساب التكلفة والربح» على ظهر الفقراء.
لا أحد يرفض الإصلاح، لكن الإصلاح لا يكون عبر ضرب الناس في قوتهم، ثم التحدث عن «العدالة» و«التوازن».
الإصلاح الحقيقي يبدأ عندما تُعامل الدولة شعبها كإنسان، لا كرقم في ميزانية.
هل أصبحت الكهرباء «ترفاً»؟ أم إن المواطن هو الذي أصبح «غير مؤهل» للحياة؟
الواقع يقول: لا يمكن أن نستمر بهذا المنطق.
لا يمكن أن تُفرض فواتير مليونية على عائلات لا تملك إلا القليل، وتُسمّى هذه الفواتير «تعرفة عادلة» أو «تصحيحاً اقتصادياً».
إن كان هناك من يريد «إصلاحاً» فليبدأ من حيث يجب:
من دعم الفقراء، ومن مراعاة الواقع، ومن إعادة الشرائح إلى مكانها الصحيح.
لأن المواطن السوري لا يطلب من الدولة أن تمنحه رفاهية، بل يطلب ألا تُحَوِّل حياته إلى معركة يومية مع فاتورة كهرباء، تُعلن فيها الدولة أن الحياة أصبحت «تكلفة» لا «حقاً».
معلومات إضافية
- العدد رقم:
- 1262