مرضى السرطان في سورية، رحلة علاج طويلة وشاقة ووحدهم يدفعون الثمن!
أن تعاني مرتين: مرة من ألم المرض ومرة من رحلة علاج طويلة ومُكلِفة، فهذا يعني «أنك مريض سرطان في سورية».
وبهذا الحال، إما أن تبيع كل ما تملك وتدفع أثماناً باهظةً أو تنتظر لأشهر في مشفى البيروني الجامعي(الحكومي) التخصصي والوحيد لعلاج الأورام وتقديم الخدمات العلاجية والتشخيصية «مجاناً» للمرضى.
فمع الارتفاع المستمر لعدد حالات الإصابة المُسجلة سنوياً، بات السرطان في صدارة المواجهة الصحية ويحمل عبئاً علاجياً وتشخيصياً متزايداً ضمن إمكانيات محدودة وضغط عمل يومي كبير.
ألف مريض يومياً
أكد المدير العام لمشفى البيروني «الدكتور رضوان الأحمد» في تصريح لصحيفة «الثورة» بتاريخ 18/1/2026، «أن المشفى هو المرجع الوحيد لعلاج الأمراض السرطانية في سورية بقسميه في منطقتي (حرستا والمزة) وبطاقة استيعابية تصل إلى 500 سرير و300 كرسي سرير مخصص لمرضى العلاج الكيمائي اليومي، كما يستقبل يومياً قرابة ألف مريض، و50% منهم يتلقى جرعات العلاج الكيمائي وفق البروتوكولات العلاجية العالمية، وتتنوع الحالات الأخرى بين المعالجة الشعاعية والحالات الجديدة، حيث بلغ عدد الحالات السرطانية الجديدة والمسجلة لأول مرة في عام 2025 (12 ألف حالة جديدة).
هذه الأرقام لا شك أنها كبيرة نسبياً خاصة وأنها محصورة بمشفى البيروني فقط، فهنالك لا شك أعداد إضافية من المصابين المستجدين خلال العام في قيود بقية المشافي العامة والخاصة في المحافظات، غير الذين يتلقون العلاج عبر الأطباء الأخصائيين في عياداتهم الخاصة، كذلك أعداد المصابين المستجدين في المحافظات الشرقية وهؤلاء لا شك غير مُدرّجين في الأرقام المذكورة.
وهذا يأتي على الرغم من الخدمات والمساعي المقدمة للكشف المبكر للسرطان في مراحله الأولى، أو الحديث عن التجهيزات والبروتوكولات المعمول بها والمُطبّقة، بالإضافة إلى المساعدات المُقدمة من منظمات دولية، فهذه الزيادات الكبيرة تعكس واقع تدهور صحة السوريين عموماً، والواقع المعيشي الأكثر سوءاً وتردياً لدى الغالبية المفقرة، بالإضافة إلى تراجع القطاع الصحي الوقائي والعلاجي.
معاناة مرضى السرطان
نساء ورجال، شباب وأطفال، لكل مريض معاناته مع المرض ناهيك عن أوجه المعاناة الأخرى من مشقة السفر والتنقل للقادمين من خارج المحافظة وحتى داخلها لارتباطهم بمواعيد محددة للمراجعة والعلاج مع كل ما يرافق ذلك من تكلفة وإنفاق.
كذلك الحاجة في بعض الحالات (إن لم يكن جميعها) لشراء الجرعة العلاجية وسط نقص حاد في الأدوية على اختلاف أنواعها وغاياتها العلاجية أمام تزايد عدد المرضى والضغط الهائل، «فالمستودعات فارغة» حسب تصريح المدير العام لمشفى البيروني في لقاء خاص للإخبارية السورية بتاريخ 24/11/2025، ليتحمل المريض المفقر عبء تكلفة تأمينها بمئات الدولارات في ظل أوضاع اقتصادية ومعيشية خانقة، لتصب هذه المبالغ في جيوب المستغلين اعتباراً من بعض الأطباء والصيادلة وليس انتهاءً بالمهربين مع عدم إغفال بعض أوجه الفساد الرسمي سواء في المشفى أو الأقسام أو ميسري مهام المهربين، مما يعرض المرضى لمخاطر الأدوية المغشوشة وغير المضمونة أو يلجأ البعض الأخر إلى إيقاف العلاج في ظل غياب برامج دعم حقيقية ومستدامة فتزيد معاناتهم ويواجهون خطر تدهور حالتهم الصحية بسبب عدم القدرة على الاستمرار بالعلاج، ناهيك عن التكاليف الأخرى للأدوية المكملة والفحوصات الطبية والصور الشعاعية الدورية.
بالمحصلة، مرضى السرطان يتم استغلالهم بشكل مركب ومعقد، مادياً وصحياً ونفسياً وحياتياً تحت ضغط الحاجة وهم الفئة الأكثر ضعفاً وهشاشة خاصة الأطفال منهم.
الأدوية رهن العروض والمناقصات!
بعد إلغاء آلية الاستجرار المركزي عبر شركة «فارمكس»، باشرت المشفى بالتعاون مع وزارة التعليم العالي باتخاذ الإجراءات لتأمين الأدوية عبر مناقصة علنية والمتوقع خلال شهر تأمين 65 صنفاً دوائياً سرطانياً عالمياً، لكن بعض الأدوية مثل «هيرسبتين» الخاص بسرطان الثدي، لم تتقدم أي شركة لتأمينه وهو غير موجود حالياً، هذا ما أكده المدير العام لمشفى البيروني «د. رضوان الأحمد» وفق التصريح المذكور أعلاه لصحيفة «الثورة».
ناهيك عن محدودية الإمكانيات والمعدات والمستلزمات الطبية، بالإضافة إلى تعطل الأجهزة (كأجهزة الطبقي المحوري)، مع النقص في بعض الاختصاصات كالهضمية والقلبية والتخدير أمام نزيف الكفاءات والخبرات كما الكوادر الطبية من مساعدين وممرضين بسبب السياسة الأجرية التطفيشية.
هذا الواقع يؤكد تراجع الدور الحكومي الرسمي في التمويل وتأمين متطلبات الرعاية الصحية من حيث تأمين الكوادر الطبية والفنية البديلة ومصادر أخرى للمواد الأولية والأدوية.
سياسة وطنية مستدامة ومستقلة
ملف السرطان وتأمين العلاج المستدام مع تأمين الدعم للخدمات العلاجية والتشخيصية الأخرى وضمان جودتها وتفعيل الدور الحكومي الرعائي الحقيقي، يجب أن يكون أولوية. بالإضافة إلى تبني سياسة دوائية وطنية تعتمد على التصنيع المحلي لضمان الأمن الدوائي وتخفيف الأعباء عن المرضى، وهذا يتطلب تكثيف الجهود والتعاون بين القطاع العام والخاص لضمان حصول كل مريض على علاجه في الوقت المناسب.
معلومات إضافية
- العدد رقم:
- 1262
رهف ونوس