عندما تُسلَّم مفاتيح الدولة... قراءة في إعلان وزير المالية بتاريخ 20 كانون الثاني 2026
في 20 كانون الثاني 2026، نُشر إعلان رسمي على صفحة وزير المالية السوري يفاخر بعقد ثلاث ورش عمل «عن بعد» مع فرق متخصصة من مجموعة البنك الدولي، تناولت أخطر ثلاثة ملفات تمس جوهر الدولة والاقتصاد والمجتمع: الشركات المملوكة للدولة- التقاعد والمعاشات- والتمويل العقاري.
ما قُدِّم للرأي العام بوصفه «دعماً فنياً» و«مساعدة متخصصة»، هو في حقيقته تفويض سياسي– اقتصادي واسع النطاق لمؤسسة دولية معروفة بتاريخها في تفكيك القطاع العام، وإعادة هندسة الدول الهشة وفق منطق السوق والديون.
الشركات العامة... من ملكية الشعب إلى سلعة في ميزان الربح
اقتراح تحويل جميع الشركات الحكومية إلى شركات مساهمة عامة، حتى مع امتلاك الدولة لكامل الأسهم «بدايةً»، ليس إصلاحاً بريئاً، بل هو باختصار:
الخطوة الكلاسيكية الأولى في مسار الخصخصة.
نزع الطابع الاجتماعي والخدمي عن مؤسسات أُنشئت لخدمة الناس لا لتحقيق الأرباح.
إخضاع القرار الاقتصادي الوطني لمجالس إدارة «مستقلة» غير منتخبة ولا خاضعة للمساءلة الشعبية.
فالتحويل الإجباري للشركات الحكومية إلى شركات مساهمة وفق السيناريو المرسوم ما هو إلا خصخصة مؤجلة.
التقاعد ليس شركة استثمار...بل حقاً اجتماعياً
حين يُطرح إصلاح التقاعد بوصفه «تحويل المؤسسات إلى مستثمر مؤسسي نشط»، فنحن أمام هجوم صامت على العقد الاجتماعي، يتمثل بـ:
نقل أموال المتقاعدين إلى منطق السوق والمخاطرة.
تهديد مباشر لاستقرار ملايين الأسر.
استنساخ أعمى لتجارب فاشلة روج لها البنك الدولي نفسه ثم تنصل من نتائجها.
كذلك فإن الدمج ليس حلاً... بل هروباً من الأسئلة!
فدمج مؤسستي التقاعد والتأمينات يُسوَّق وفق السيناريو المطروح كحل تقني، بينما هو في الواقع إخفاء لأزمة تمويل وعدالة وتفاوت «شبه مشرعن» بين الأجر التأميني والفعلي، والأهم هو تجاوز لنقاش وطني كان يجب أن يكون علنياً ومفتوحاً.
التمويل العقاري...كيف يُحوَّل السكن إلى فخ ديون؟
الحديث عن تطوير التمويل العقاري وفق وصفات البنك الدولي يحول السكن من حق إلى ورقة مالية، ويعني عملياً:
زيادة القروض بدل زيادة المساكن.
رفع الأسعار بدل خفضها.
تحميل محدودي الدخل ديوناً طويلة الأجل في اقتصاد غير مستقر.
فعندما يُربط السكن بسوق رأس المال:
يصبح البيت أصلاً مالياً لا حقاً اجتماعياً.
تُقدَّم مصلحة المستثمر على مصلحة الساكن.
وتُزرع بذور أزمة اجتماعية جديدة باسم «الإصلاح».
ليتوج بعد ذلك سوق رأس المال قبل الإنسان.
تآكل السيادة بصيغة تقنية
حين تُصاغ الاستراتيجيات الوطنية في ورش «عن بعد»، وبخبرات أجنبية، وبلغة تقنية مغلقة، فهذا ليس إصلاحاً، بل تفريغاً للقرار الوطني من مضمونه.
أما الخطر الأكبر فهو من يقرر؟ ومن يحاسب؟
فالبنك الدولي ليس جهة محايدة، فهذه المؤسسة لها تاريخ طويل في فرض وصفات موحّدة سيئة الصيت، فلا تتحمل كلفة الفشل الاجتماعي، ولا تُحاسَب على النتائج الكارثية لإصلاحاتها!
وبهذا السياق فإن الحديث عن الحوكمة والشفافية بلغة البنك الدولي يتجاهل سؤالاً جوهرياً:
من يحكم؟ ولمصلحة من؟
فحوكمة تُصمَّم في مكاتب واشنطن لن تراعي هشاشة الاقتصاد السوري، ولا أولويات التشغيل والأمن الاجتماعي، وتحوّل الدولة من فاعل اقتصادي إلى مراقب عاجز!
والنتيجة حوكمة على الورق... لتجريد الدولة من دورها.
الغضب مشروع... والصمت تواطؤ
ما أُعلن في 20 كانون الثاني 2026 ليس تفصيلاً إدارياً أو تقنياً، بل منعطفاً خطِراً يمس ملكية الشعب، وأمان المتقاعدين، وحق السكن، ومستقبل دور الدولة.
فالإصلاح لا يُستورد، والسيادة لا تُدار عبر «الزوم»، والعدالة الاجتماعية لا تُقاس بتقارير البنك الدولي ومعاييره.
إن فتح هذه الملفات الحساسة بهذا الشكل، وبهذا الحجم من التفويض، ليس جرأة إصلاحية... بل مقامرة بمستقبل بلد دفع أثماناً باهظة ولا يحتمل وصفات جاهزة ولا تجارب جديدة على حساب ناسه.
معلومات إضافية
- العدد رقم:
- 1262