الثروة الحيوانية أمام انهيار وشيك... المزارع يستغيث والحكومة تقرّ الاستيراد حلاً!
شهدت الثروة الحيوانية في سورية انهياراً غير مسبوق خلال سنوات الأزمة، ونظراً لغياب إحصائيات دقيقة يصعب التأكد من خلالها من نسبة التراجع، إلا أن تقارير منظمة الأغذية والزراعة حتى عام 2021، تشير إلى أن الخسائر تقدر بحدود 35-40%.
كما أن وزارة الزراعة في عام 2021، قدرت تراجع عدد الأبقار بنسبة 30%، والأغنام 40%، وهذه مجرد تقديرات، ما يشير إلى أن التراجع قد يكون أعلى بكثير.
خاصة وأن الثروة الحيوانية لا تزال تواجه حتى اليوم تحديات كبيرة، حيث تحولت تربية الحيوانات، التي كانت في يوم من الأيام، مصدراً للربح والعيش الكريم، إلى نشاط يثقل كاهل المربين بالخسائر؛ فتجاوزت تكلفة تغذية البقرة الواحدة 65 ألف ليرة يومياً، بحسب بعض المزارعين.
وتتفاقم الأزمة أيضاً بسبب الفجوة التسعيرية الكارثية، حيث لا يغطي سعر بيع الحليب تكاليف التربية الباهظة، ما يدفع بالمربين إلى حافة الإفلاس، ويهدد بتصفية قطعانهم. ولا يقتصر الأمر على الحليب؛ فعلى الرغم من الارتفاع الهائل في تكاليف تغذيته ورعايته، إلا أن سعر الخروف، بحسب نوعه ووزنه، انخفض من 5,5 و6 ملايين ليرة في عام 2024 إلى 1,5 وأقل من مليون ليرة فقط في الموسم الحالي، بينما انخفض في الحسكة، على سبيل المثال، إلى 600 ألف ليرة، ما جعل كلفة العلف أعلى من قيمة الحيوان نفسه!
ومما يزيد الطين بلة، تضاعف أسعار المدخلات الأساسية بشكل فلكي؛ فقفز سعر كيلو التبن من 1000 إلى 4000 ليرة خلال موسم واحد، في حين ارتفع سعر العلف إلى 5000 ليرة للكيلو الواحد. ووضعت هذه الزيادات الهائلة المربين أمام خيارين أحلاهما مر: إما الاستدانة وتكبد المزيد من الخسائر، أو ذبح القطيع قبل أوانه وأحياناً بيعه بسعر منخفض ومن ثم التوقف عن النشاط بشكل كامل.
بالإضافة إلى ضعف الخدمات البيطرية وارتفاع تكاليفها، لتصبح «رفاهية» غير متاحة للعديد من المربين.
فيما ينعكس كل ذلك على المواطن، الذي يعاني من ارتفاع أسعار اللحوم والأجبان والحليب، بسبب تراجع العرض المحلي، لصالح الاستيراد.
أين الدولة؟!
يدرك المزارعون والمربون في مختلف المحافظات الأبعاد المتشابكة للأزمة، إلا أنهم، وتقريباً دون استثناء، يتفقون على أن أحد أبرز أبعادها هو غياب الدعم الحكومي.
فالقطاع يفتقر إلى سياسات تحمي المنتج المحلي، عبر توفير آليات دعم الأسعار وتوفير المدخلات المدعومة، فيجد المربون أنفسهم عرضة لتقلبات السوق وتقلبات أسعار الأعلاف والأدوية البيطرية، من دون وجود شبكة أمان تحميهم من الخسائر الكبيرة.
كما جاء قرار تخفيض الرسوم على استيراد المواشي، مخيّباً لصغار المربين، الذين يواجهون تكاليف إنتاج عالية، ما يجعلهم غير قادرين على المنافسة مع كبار المستوردين والمربين، مع توقع زيادة أسعار الأعلاف بشكل كبير بمجرد بدء الاستيراد، جرّاء غياب الدعم.
المستفيدون قلّة... المربي والمواطن ليسوا منهم
يبدو وكأن الدولة، في ظل غياب السياسات الحكومية الداعمة والفعالة لإنقاذ القطاع، تسعى في خططها «الاستثمارية» إلى تحويل الثروة الحيوانية إلى نشاط نخبوي، مقتصر على الحيتان المسيطرين على سوق الأعلاف والاستيراد، وإخراج الفلاح والمربي من معادلة الأمن الغذائي كلياً.
فيما لا تلحظ– أو ربما تلحظ ولا تبالي– أن سياسات السوق الحرة فاشلة، وجداً، من دون حماية المنتج المحلي المنهك، ما يؤدي إلى إفلاس المربين الصغار، وإثراء قلة من المستوردين على حساب الأمن الغذائي، وتدمير الإنتاج بشكل يصعب التعافي بعده.
فيما ينذر الوضع الحالي بكارثة حقيقية، ويتطلب تدخلاً جادّاً وفورياً، يشمل دعم أسعار الأعلاف وتوفيرها بأسعار عادلة وإيقاف تهريبها، وتأمين الأدوية واللقاحات البيطرية، ووضع خطط استراتيجية لحماية القطعان وإعادة إحياء المراعي، وضبط الاستيراد والتصدير بما لا يتعارض مع المصالح الاقتصادية العامة؛ فإنقاذ الثروة الحيوانية ليس إنقاذاً لقطاع اقتصادي فقط، بل إنقاذ لمئات آلاف الأسر من الفقر المدقع، وإعادة بناء لشبكة أمان غذائي واجتماعي.
معلومات إضافية
- العدد رقم:
- 1262
سارة جمال