أسعار المشتقات النفطية...  تذبذب مستمر ووعود حكومية وردية؛ متى تتحول الطاقة من أداة إفقار إلى أداة تنمية؟!

أسعار المشتقات النفطية... تذبذب مستمر ووعود حكومية وردية؛ متى تتحول الطاقة من أداة إفقار إلى أداة تنمية؟!

منذ إصدار وزارة الطاقة لنشرة أسعار المشتقات النفطية والمحروقات في منتصف تشرين الثاني 2025 بالدولار، والسوق يشهد تذبذباً يومياً، وتتغير نشرة الأسعار كل 72 ساعة تقريباً، بينما شهد الشهر الحالي تغيرها 7 مرات.

فيما تسعّر الكازيات المشتقات النفطية وفق سعر غير رسمي متذبذب، وأمام أعين الوزارة، ما يعني أن الدولة تنقل صدمات سعر الصرف مباشرة إلى جيب المواطن دون أي حماية اجتماعية أو اقتصادية، ما يُعد تنازلاً عن مسؤوليتها في حماية المواطنين من تقلبات السوق غير المنضبطة.
في المقابل، ساهم تزايد الطلب على المشتقات النفطية في فصل الشتاء إلى زيادة الضغط على الأسعار، خاصة في ظل تراجع الإنتاج المحلي، والاعتماد المتزايد على الاستيراد.
ويعكس هذا التغير الدائم ضعفاً في التخطيط المالي وعدم الاستقرار في السياسة الاقتصادية، وينسحب تأثيره على جميع القطاعات، ولا سيما أن الوزارة تصدر التسعيرة بالدولار، ويتم ربطها بسعر الصرف في السوق الموازي، الذي– وبحكم طبيعته– يفتقر إلى الشفافية، ويخضع للمضاربة.


كلف الإنتاج وغياب الدولة


لا تقف هذه التعديلات السعرية، صعوداً وهبوطاً، على سعر المحروقات؛ فهي تشكل عبئاً كبيراً على القطاعات كافة، ولا سيما الصناعة والزراعة والنقل، فأي ارتفاع في تكاليف الإنتاج، يُترجم مباشرة إلى ارتفاع كبير في أسعار السلع والخدمات، في حين يُترك المواطن ليواجه فوضى «السوق الحرة» و«آليات العرض والطلب»، التي جعلت السوق مرتعاً للمضاربين والمحتكرين وحيتان السوق الذين لا يفوتون فرصة استغلال الأوضاع لمضاعفة مكاسبهم.
بينما تتخلى الدولة عن أبسط أدوارها؛ فلا آليات واضحة لحماية المجتمع من ارتفاع التكاليف المعيشية، وإيقاف التآكل المستمر في القدرة الشرائية.
والأدهى من ذلك هو غياب الدعم تماماً عن القطاعين الصناعي والزراعي، ما جعلهما أمام ضغوط يومية هائلة، يقودهما قصر النظر الحكومي إلى التراجع، وتقليص العمالة، وفي المستقبل القريب الانهيار تماماً، إن لم تتغير الرؤى الاستراتيجية.
فدور الحكومة لا يقتصر على إصدار نشرات بالأسعار وبالدولار، بل يشمل وضع استراتيجيات طويلة المدى لضمان استقرار الإمدادات وتنويع مصادر الطاقة، وتطبيق آليات شفافة لمراقبة السوق.


الأولوية للإنتاج


الواقع أن الحديث الرسمي عن تحسن سعر الصرف والاستثمارات هو مجرد تسكين مؤقت لن ينجح في معالجة الجذور الحقيقية للمشكلة.
فالنهج الشامل يجب أن يبدأ من استعادة الاستقرار النقدي، وليس إصدار نشرات شبه يومية ومتغيرة للأسعار؛ أي عبر تعزيز قيمة العملة المحلية، والذي لن يتم من دون إعطاء أولوية مطلقة للقطاع الزراعي، بهدف تحقيق الأمن الغذائي وتوفير فرص العمل؛ بالإضافة إلى إعادة تأهيل ودعم القطاع الصناعي، وتقليص فاتورة الاستيراد والحد من تصدير المواد الخام بأسعار منخفضة.
وهذا يعني ضمناً تحديث وتأهيل حقول النفط ومصافي التكرير بهدف سد الحاجة المحلية؛ والانتقال من تصدير النفط الخام إلى المشتقات المكررة، وتحقيق قيمة مضافة تساهم فعلاً في تنمية الاقتصاد الوطني، ليس مجرد هدف اقتصادي، بل ضرورة استراتيجية تضمن استقرار الإمدادات والأسعار وتخفف من أعباء الاستيراد.


الحلول اليوم وليس غداً


لا يمكن الاستمرار بالتعامل مع التغيرات اليومية للأسعار في إطار «المواءمة الدورية» حسب وصف مدير الاتصال الحكومي في وزارة الطاقة، أحمد سليمان، واعتبار هذه الطريقة «ضامنة» لتأمين المحروقات ومنع الاختناقات.
والحقيقة أن الحلول الجزئية والتعديلات المفاجئة تفاقم الأزمة وتوسع من دائرة الفقر وتهدد الاستقرار الاجتماعي. فالطريقة «الأضمن» تمر عبر سياسات شفافة ومستقرة، تربط الاستقرار النقدي بالعدالة الاجتماعية والسيادة الاقتصادية، وتحفّز الإنتاج الوطني الذي يشكل الحلقة الرئيسية للخروج من الأزمة.

معلومات إضافية

العدد رقم:
1262