الرواتب الحكومية... تفاوتٌ كبير وعدالة وظيفية غائبة
تشكل أزمة تفاوت الرواتب في المؤسسات الحكومية حالة معقدة، تعكس اختلالات بنيوية عميقة تتجاوز المشكلة المالية إلى أزمة حوكمة وإدارة موارد بشرية. فقد تحولت المسألة، كما يصفها موظفون، من تفاوت في الأجور إلى خلل مؤسسي ينذر بانهيار الثقة بين الدولة والمواطن.
وقد تصاعدت شكاوى الموظفين خلال الفترة الماضية بسبب تفاوت الأجور، فمن الفصل التعسفي، انتقل من تبقى على رأس عمله بعد «إعادة هيكلة» مؤسسات الدولة، إلى بيئة أقل ما يُقال عنها إنها غير عادلة.
العدالة الوظيفية وغياب الإطار القانوني
لا يعكس هذا الوضع غياب سياسة موحدة للأجور، واضحة وعادلة لإدارة الموارد البشرية فقط، بل يعكس أيضاً غياب مبدأ «الأجر المتساوي لقاء العمل متساوي القيمة».
فلا يمكن لموظفين يؤدون مهاماً متشابهة، تتطلب نفس المستوى من المؤهلات والجهد والمسؤولية أن يتقاضوا رواتباً متباينة، لما يولده ذلك من شعور بالظلم والغبن، كما أنه يضعف الانتماء إلى بيئة العمل، ما ينعكس سلباً على إنتاجية الموظفين ومدى التزامهم.
وتكمن المشكلة كذلك في غياب إطار قانوني واضح ومنظم يبرر هذا التفاوت. ففي أغلب الحالات تُبرَر هذه التباينات بالحديث عن «قرارات إدارية»، أو «استقطاب كفاءات جديدة»، إلا أن عدم وجود قوانين أو لوائح تنظيمية تحدد معايير الرواتب، وتُفصّل الشروط، يفتح الباب أمام المحسوبية والفساد.
وهذا يشكّل دافعاً للموظفين منخفضي الأجر للبحث عن مصادر دخل موازية، ويخلق بيئة مواتية للرشوة، كوسيلة للتعويض عن الظلم الوظيفي.
تشوه العمل المؤسسي
خلقت هذه الأزمة ما يشبه سوقين متوازيين للعمل داخل المؤسسة الواحدة؛ سوق «الدولار» للمتعاقدين الجدد، وسوق «الليرة» للموظفين القدامى.
ولا يستند هذا التفضيل إلى معايير موضوعية كالأداء والخبرة، بل يعتمد على الولاء والانتماءات «الثورية»، خاصة وأن التفاوت يزيد بنسبة 300% في بعض الحالات وأحياناً أضعاف ذلك.
فوفقاً لشهادات موظفين في قطاعيّ الطاقة والمالية، على سبيل المثال، يتقاضى المتعاقد الجديد ما بين 400 إلى 800 دولار، بينما يتقاضى الموظفون القدامى، الذين أفنوا أعمارهم في العمل، رواتب تتراوح ما بين 100 إلى 150 دولاراً، بعد الزيادة، ويتم دفع أجورهم بالليرة.
وبالتالي، يجد الموظفون القدامى أنفسهم محاصرين في «سوق الليرة»، حيث الرواتب المتدنية والمزايا المعدومة، ما يشعرهم بالتهميش وهم الذين يمتلكون المعرفة المتراكمة والخبرة العملية الطويلة التي تُعد أساساً لأي مؤسسة مستقرة.
الليرة أم الدولار؟
بينما يتقاضى البعض رواتبه بالدولار الأمريكي، يظل الموظفون القدامى يرزحون تحت وطأة الانهيار المتسارع لقدرتهم الشرائية. ولا يمثل هذا التناقض مجرد مشكلة إدارية، بل هو انعكاس لأزمة اقتصادية تقوّض أسس العدالة وتهدد النسيج الاجتماعي.
وتتعمق هذه الأزمة أكثر عندما يتناقض هذا الواقع المرير مع الخطاب الرسمي للمصرف المركزي، الذي يركز على استقرار سعر الصرف والسياسات النقدية؛ فهذه الظاهرة تخلق «اقتصادين متوازيين» داخل المؤسسة الواحدة، ما يعمّق الفجوة الطبقية.
فالمصرف المركزي، الذي يكرر باستمرار خطابه حول «استقرار الليرة»، يقدم من خلال هذه الممارسات دليلاً على ضعف سياساته النقدية، ويشير إلى أن المؤسسات الحكومية ذاتها لا تثق بالعملة الوطنية!
كما أن هذه الممارسات تساهم في خلق طلب مؤسسي على العملة الأجنبية، ما يشكل ضغطاً إضافياً على سعر الصرف ويساهم في تدهور قيمة الليرة؛ أي إن مؤسسات الدولة باتت تُسّرع من وتيرة الانهيار الاقتصادي وتعمق الأزمة المعيشية التي يعاني منها 90% من السوريين.
العدالة شرط للاستدامة
إن تجاهل التفاوت في سلم الرواتب يعني السماح لشرخ اجتماعي واقتصادي بالاتساع، ما يعكس ضرورة إيجاد مقاربة شاملة تعيد الاعتبار لمبدأ الجدارة والعدالة، عبر صياغة أطر قانونية وتنظيمية تضمن المساواة داخل بيئة العمل، وتستقطب الكفاءات فعلاً وتقدر الخبرات القديمة، وتعزز شفافية السياسات الاقتصادية وعدالتها، بما يحفظ كرامة العاملين ويضمن استدامة المؤسسات الحكومية.
معلومات إضافية
- العدد رقم:
- 1262
سلمى صلاح