تفريط بالأصول... واستثمارٌ على حساب الإنسان... الغزل والنسيج في اللاذقية على «مذبحة الخصخصة»
في كل مرة تُطرح فيها منشآت قطاع الدولة للاستثمار، لا نقرأ إعلاناً اقتصادياً فحسب، بل نقرأ حكماً بالإعدام على قطاعٍ وطني كان يوماً ما من أبرز ركائز الإنتاج في البلاد.
والآن، تُعرض مباني الغزل والنسيج في اللاذقية «للاستثمار»، لكن الحقيقة أن هذا الإعلان لا يعني إعادة تشغيل مصانع، بل تفريغ الدولة من أصولها، وتسليمها لمن لا يملك إلا المال.
«الاستثمار» الذي يغتال الدولة
لا يخفى على أحد أن القطاع العام في سورية يواجه تحديات كبيرة، لكن الحل ليس أن تُباع الأصول أو تُؤجر لشركات خاصة تحت مسميات براقة.
فالاستثمار الحقيقي لا يكون بتفكيك الدولة، بل بتحديث الإنتاج ودعم العمالة المحلية وتأمين الطاقة والمواد الخام.
أما ما يحدث اليوم فهو تفريط بالأصول بقرارٍ يُشبه إدانة الدولة على أنها «غير مجدية» ثم بيعها كأنها أثاث قديم.
الغزل والنسيج ليست «مبانيَ» بل صناعة وطن
مصانع الغزل والنسيج ليست مجرد حديد وآلات، بل هي تاريخ اجتماعي واقتصادي.
هي مصانع أوجدت آلاف الوظائف، وخلقت سلعاً محلية، وخفّضت الاعتماد على الاستيراد، وحافظت على مهارات فنية لم تُخلق بين ليلة وضحاها.
إن طرح هذه الأصول يعني إغلاق باب الإنتاج الوطني وفتح باب الاستيراد من الخارج باسم «الاستثمار».
العمالة المدربة تُعرض للبيع كسلعة رخيصة
الأدهى من تفريط الأصول هو تفريط العمالة المدربة.
الإعلان عن وجود «عمالة مدربة» كميزة للاستثمار ليس أكثر من إعلان عن سوق رخيصة من اليد العاملة.
وهنا يكمن جوهر الجريمة؛ فالمستثمر لا يهمه تطوير العامل أو تحسين ظروفه، بل يهمه خفض تكلفة الإنتاج فقط عبر أجور زهيدة.
إنها ليست شراكة، بل استغلالاً رسمياً يُشبه الإتجار بالإنسان باسم «التشغيل».
لماذا يُطرح القطاع العام؟ لأن الدولة باتت عبئاً
هناك من يبرر طرح الأصول بأن الدولة «غير قادرة على التشغيل»، لكن الحقيقة أن هذا الطرح يأتي ضمن استراتيجية إفراغ الدولة من أدوات الإنتاج، ثم تقديمها كهدية للقطاع الخاص.
وذلك ليس تقليصاً للدولة فقط، بل تحويلها إلى مستأجرٍ على أرضه، وإلى شاهدٍ على عملية خصخصة كاملة لم يتم الإعلان عنها رسمياً.
«الاستثمار» لا يعني البيع...الاستثمار يعني الإحياء
إننا بحاجة إلى تعريف جديد للاستثمار!
هو تحديث المصانع، وإعادة تأهيل خطوط الإنتاج، وتأمين الطاقة والمواد، وتحسين شروط العمل، ودعم الإنتاج المحلي.
أما ما يحدث اليوم فهو «استثمار» بمعنى إزالة الدولة من المشهد، وتغليب الربح على الكرامة، وتحويل العمالة المدربة إلى سلعة رخيصة.
الدولة ليست للبيع
إن طرح أصول الغزل والنسيج في اللاذقية للاستثمار ليس قراراً اقتصادياً فحسب، بل قراراً سياسياً يختزل الدولة إلى مجرد «أصول» تُباع أو تُؤجر.
والأسوأ من ذلك أن العمالة المدربة تُعرض كميزة للاستثمار، وكأن الإنسان مجرد كلفة يمكن التخلص منها.
إننا أمام سؤالٍ بسيط، لكنه حاسم:
هل نريد دولة منتجة أم دولة تُدار عبر التفريط والبيع؟
معلومات إضافية
- العدد رقم:
- 1261