الكلمة الافتتاحية في المؤتمر الحادي عشر (الثاني بعد التأسيس لحزب الإرادة الشعبية)

الكلمة الافتتاحية في المؤتمر الحادي عشر (الثاني بعد التأسيس لحزب الإرادة الشعبية)

قدم د. قدري جميل الكلمة الافتتاحية في الجلسة الأولى للمؤتمر الحادي عشر (الثاني بعد التأسيس) لحزب الإرادة الشعبية، والتي عقدت في كل من دمشق وحلب والجزيرة بالتوازي، يوم الجمعة 16/1/2026. وقد اعتمد المؤتمر الكلمة ضمن وثائقه، وفيما يلي نصها:

ينعقدُ مؤتمرُنا اليوم –الثاني بعدَ التأسيس- بعد انقطاعٍ بسببِ الظروفِ التي مرَّتْ بها البلادُ خلالَ العقدِ الماضي.
الأمرُ الذي رُغمَ كلِّ سلبياتِه والنواقصِ التي سبَّبَها لمجرى العمل، لم يمنعِ الحزبَ من ممارسةِ نشاطِهِ بشكلٍ عام في كلِّ المجالاتِ المطلوبةِ منه.
فالمطلوبُ مِن أيِّ تنظيمٍ سياسيٍّ هو ثلاثُ مهمَّاتٍ مستمرَّةٍ متلازمةٍ بآنٍ واحد، تُشَكِّلُ الحدَّ الأدنى الضَّروري لوجودِه، ولكنَّها غيرُ كافيةٍ لاستمراره بشكلٍ فعَّالٍ لأداءِ دورِهِ الوظيفي، وهي:
1- صياغةُ خطٍّ سياسيٍّ يتطوَّرُ على أساسِ الرؤيةِ المُقَرَّة، وتطويرُ هذا الخط بالتوافق مع المتغيرات.
2- وجودُ منبرٍ إعلاميٍّ نشيطٍ يعبِّرُ عن هذا الخط ويعكِسُه بخطابٍ مناسِبٍ يَصِلُ إلى أوسعِ جمهورٍ ممكن.
3- تنظيمٌ -وكوادرُ تقودُ هذا التنظيم- يكونُ موجوداً على أوسعِ نطاقٍ جغرافيٍّ ممكن، ويكونُ مستوعِباً للخطِّ السياسيِّ وحاملاً للجريدةِ ومغذِّياً لها في آن.
يمكننا القولُ الآن إنَّنا تمكَّنا مِن تنفيذِ المهامِ الثلاث بشكلٍ معقول، رغم العوائق والمصاعب. ولا نريد المقارنةَ مع غيرِنا من التنظيمات بأحوالها الصَّعبة، لأنَّها لا يمكنُ أنْ تكونَ مقياساً لنا؛ فمقياسُنا ليسَ النماذجَ الأخرى وحالَها وإنَّما ضروراتُ الواقعِ الموضوعي.
مِن هذهِ الزاوية يمكنُ القولُ إننا نفَّذنا الحدَّ الأدنى المطلوبَ للعبِ الدورِ الوظيفي المنشود، والذي جرى إعلانُ حزبِنا في المؤتمرِ السابقِ على أساسِه.
والتحدِّي أمامَنا الآن هو: هَلْ نستطيعُ في المرحلةِ القادمة تطويرَ خطِّنا وإعلامِنا وتنظيمِنا، بما يتوافقُ مع ضروراتِ الواقعِ الذي يتطلَّبُ حزباً طليعياً، يلعبُ دورَه الوظيفي كحزبٍ حقيقيٍّ يوجِّهُ الجماهيرَ باتجاه الأهدافِ المطلوبة، والتي يمكنُ تلخيصُها بثلاثةِ أهداف، على أساسِ رؤيتِنا السياسية الاقتصادية:
1- الحفاظُ على وحدةِ البلادِ ومنعُ تقسيمِها، وتجريمُ الطائفيةِ التي هي سلاحُ التدميرِ الشَّاملِ للبلاد.
2- إعادةُ توزيعِ الثَّروة لصالحِ أوسَعِ جماهيرِ الشغيلةِ بسواعدِهم وأدمغتِهم، وإسقاطُ النموذجِ الليبرالي للتطورِ الاقتصادي-الاجتماعي الذي يَزحفُ في البلادِ منذُ عقود، ويؤدِّي إلى إفقارِ الشعبِ وتبعيةِ البلاد.
3- بناءُ نموذجٍ سياسيٍّ جديدٍ تصبحُ فيه السلطةُ الحقيقيةُ للشعبِ عبر ممارستِها في المناطقِ والمركز. وترتدي أهميةً كبيرةً في ذلك طريقةُ صياغةِ سلطةِ الشعبِ في المركزِ والمناطق، ومشروعُ برنامجنا يوضِّحُ ذلكَ.
بناءً على ذلك، وانطلاقاً مِن التجربةِ السابقة، نقترحُ أنْ تكونَ جلسةُ مؤتمرِنا اليومَ الأولى، وتُرفَعُ حينَ تنفيذِ جدولِ أعمالِها المُقَرّ، إلى حينِ توفُّرِ الظروفِ المناسبةِ لاستكمالِ مهامِ المؤتمرِ الحالي.
جدولُ أعمالِنا اليوم هو عملياً إقرارُ الوثائقِ وانتخابُ الهيئاتِ القياديةِ الجديدة، ونقترحُ تكليفَ القيادةِ الجديدةِ بالتحضيرِ للجلسةِ الثانية القادمة للمؤتمر، وأهمُّ نقطةٍ فيها هي صياغةُ وثيقةٍ تحليليةٍ شاملةٍ تغطِّي كلَّ المرحلةِ السابقةِ مِن 2012 حتى اليوم. وهذهِ الوثيقةُ بطبيعةِ الحال تتطلَّبُ مراجعةً شاملةً بروحٍ انتقاديةٍ لكلٍّ سياستِنا ومواقفِنا ونشاطِنا.

والقولُ بالرُّوحِ الانتقاديّةِ لا يعني بحالٍ مِنَ الأحوال جلدَ الذات، وإنما تحديدُ نقاطِ القوَّةِ والضَّعفِ لدينا في كلِّ المرحلةِ السابقةِ بجرأةٍ وصراحةٍ ثوريَّة.
مَنْ لا يعملْ لا يُخطِئ، نَعَمْ عَمِلَ حزبُنا جِدّياً خلالَ كلِّ الفترة، وكانتْ قاسيون وتصريحاتُ ومقابلاتُ القيادة مرآةً لمواقفِنا ونشاطِنا ودورِنا.
لقد أصبحَ حزبُنا منذُ إعلانِه رَقماً هامّاً في المعادلةِ السياسيةِ السورية، ولكنْ هَلْ حقَّقْنا كلَّ ما نَطمَحُ إليه؟ طبعاً لا، فأمامَنا طريقٌ طويلٌ لإنجازِ مهامِنا. لكنَّ الأهمَّ أنَّنا لم نُخطِئ استراتيجياً، وفي القضايا الكُبرى، أمَّا الأخطاءُ في القضايا الآنيّة، السياسية والتنظيمية، فهي أمرٌ طبيعيٌّ لِمَن يَعمَلُ جِدّياً، ومِنْ نَافِلِ القولِ إنَّنا كنا نُدقِّقُ ونُطوِّرُ الخطَّ بشكلٍ مستمر، وأصبحتِ افتتاحياتُ قاسيون وموادُّها، مَرجِعاً هامّاً لكلِّ وطنيٍّ يُريدُ فهمَ الأحداثِ وصناعَتِها والعملَ مِن أجلِ التحكُّمِ بها.

الرفيقات، الرفاق
تنبعُ أهميةُ دورِنا من المهمّات التي يفرضُها علينا تطوُّرُ الوضعِ العالمي والإقليمي والداخلي.
- الرأسماليةُ العالمية بطرفَيها الانكفائي والتوسُّعي، في حالةِ أزمةٍ شديدةٍ وعميقة. وهذا الصراعُ بين قطبَيها تعبيرٌ عن حالةِ التراجعِ والهزيمة، نتيجةَ تغيُّرِ ميزانِ القوى عالمياً لصالحِ القطبِ الصَّاعدِ اقتصادياً – عسكرياً – سياسياً.
- لا يغيِّرُ في الأمرِ شيئاً، بعضُ الضرباتِ التي تقومُ بها هنا أو هناك، وهي محاولةُ تعويضٍ جزئيّةٌ للتراجعِ الشامل، وعلى أملِ أنْ تُعطي هذه العملياتُ بمجموعها النتيجةَ التي كانوا يحصلون عليها خلالَ وبعدَ الحروبِ العالمية في القرنِ الماضي.
- ما يجري في أوكرانيا وفلسطين واليمن والسودان وإيران والحبلُ على الجرَّار لاحقاً، ما هو إلَّا محاولةٌ لتخفيفِ تأثيرِ التغيرِ الاستراتيجيٍّ في ميزانِ القوى الدولي.
- لكنَّ القوى العدوانيةَ عالمياً لا تتخلَّى عن رغبتِها الشديدةِ بصدامٍ شاملٍ أصبحتْ غيرَ قادرةٍ على حَسمِه لِصالحِها، وهي تُعوِّضُ مؤقتاً عنه بإثارةِ التوتراتِ الإقليميةِ على مساحةِ الكرةِ الأرضية.
- إذا تتبَّعنا مسارَ القوَّةِ الاقتصادية-العسكرية الغربية خلالَ عشرِ سنواتٍ مَضتْ، نتأكَّدُ أنَّ المحصِّلةَ ليستْ في صالِحِها، وهي في لحظةٍ معيَّنةٍ لاحقاً، يجبُ أنْ تُصابَ بوَهَنٍ عسكريٍّ نتيجةَ التراجُعِ الاقتصادي، يمنعها من إشعالِ حربٍ شاملةٍ حتى لو أرادتْ ذلك، وستَلعبُ دوراً كبيراً في هذا الوَهَن التحركاتُ الاجتماعيةُ الجماهيريةُ داخلياً، والتي يزدادُ اتِّساعُها ونُضجُها.
- على المَقلَبِ الآخر، بطبيعةِ الحال، تحاولُ القوى الصاعدة، وعلى رأسِها الصينُ وروسيا ودولٌ أخرى، منعَ خطرِ نشوبِ نزاعٍ شامل، وفي الوقتِ نفسِهِ عدمَ تقديمِ تنازلاتٍ سياسيةٍ واقتصاديةٍ جوهرية، مِنَ النمطِ الذي جرى تقديمُه خلالَ المؤتمرِ العشرين 1956 وما بعد. وهذا يتماشى مع متطلَّباتِ التطوُّر التاريخي، الأمرُ الذي إذا نجحتْ فيه سيسمحُ للمنظومةِ الرأسماليةِ القائمةِ اليوم اقتصادياً-سياسياً-عسكرياً، بالانهيار في المكان، دونَ أضرارٍ جانبيةٍ جسيمةٍ على البشريةِ جَمعاء. وهذا ما يسمِّيهِ البعضُ التعدُّدية القُطبية، مع ملاحظةِ أنَّ حَربين عالميتَين في القرنِ العشرين نَشبتا بسببِ التعدديةِ القطبية، وتَجاوزْنا خطرَ حربٍ عالميةٍ بسببِ الثنائيةِ القطبيةِ التي بعد انهيارِها هيمنَ القطبُ الأوحدُ لمدةِ عَقدَين فقط لا غير. لذلك، البشريةُ اليوم، أمامَ لحظةِ انعطافٍ تاريخيّةٍ تُلغي القُطبيَّةَ نهائياً، وتسيرُ باتجاهِ مجتمعٍ متوازِنٍ عادلٍ لا قُطبي.

- إذاً، كلُّ التوتراتِ في العالَم والمنطقة سَبَبُها مخاضُ الانتقالِ المعقَّدِ إلى عَالَمٍ جديد. وهذا الانتقالُ يجري بشكلٍ مُتسارعٍ سنرى نتائجَهُ خلالَ السنواتِ القريبةِ القادمة.
- مِن هنا يجبُ فهمُ إعادةِ تموضعِ القوى الإقليميةِ في منطقتِنا. وهذه العملية تجري بشكلٍ متسارعٍ وغيرِ ومتوقَّعٍ للكثيرين؛ ونقصدُ هنا تركيا والسعودية ومصر، والسببُ العميقُ لإعادةِ التموضعِ هذا هو انكشافُ المخطَّطاتِ الصهيونيةِ والداعمةِ لها أمريكياً، هذه الخططُ التي بلغتْ درجةً عاليةً مِنَ الوقاحةِ في الإعلانِ عن ذاتِها، ممَّا جَعَلَ كلَّ دولِ الإقليمِ تستشعرُ بالخطرِ القادِمِ الذي حَذَّرْنا منه دائماً.
إنَّ المحاورَ التي يجري إعادةُ التَّموضِعِ إقليمياً وِفقَها عديدةٌ وهامَّة، وأهمُّها: العلاقةُ السعودية-الإيرانية، التركية-الإيرانية، السعودية-الباكستانية، السعودية-التركية، التركية-المصرية، إضافةً إلى ارتفاعِ مستوى التنسيقِ بينَ هذهِ القوى مجتمعةً، وهو أمرٌ سيعزِّزُه في منطقتِنا بشكلٍ كبيرٍ تطوُّرُ التنفيذِ الناجحِ لتفاهمِ أردوغان-أوجلان، وهو بالفعل يخطو للأمام حتى الآن، ولو ببطء. وسيلعبُ دوراً هاماً في إحباطِ الخططِ الصهيونيةِ الغربيةِ ضِدَّ شعوبِ الشرقِ العظيم.
- وقد لَعِبَتْ معركةُ غزة البطولية دوراً هاماً في تغييرِ وجهِ المنطقةِ الذي نراهُ اليوم.

_mg_1809_result

فإذا كانتْ «إسرائيلُ» الصّهيونيّة ومَن لفَّ لفُّها مِن الغربِ الإمبريالي، وخاصة الأمريكي، يريدونَ أنْ تتحوَّلَ معركةُ غزة إلى صفيحٍ ساخنٍ دائمٍ لإعادةِ هندسةِ كلِّ المنطقةِ الممتدةِ من النيلِ إلى الفرات، وضِمناً مصر، السعودية، السودان، سوريا، لبنان، العراق، تركيا، فإنَّ الذي نراهُ اليومَ على الأرض هو غيرُ ما كانوا يشتهونَه؛ فها هي تتشكلُ مَحاورُ جديدةٌ وهامّةٌ هَدفُها موضوعياً إحباطُ هذا المخطَّط وهزيمةُ صانِعيهِ وتحطيمُ أدواته.
إنَّ ما نراهُ مِن تقاربٍ سعودي-مصري-تركي وحتى إيراني وباكستاني هو بشائرُ القادمِ الذي يفرضُ نفسَه عكسَ إرادةِ ومخطَّطاتِ الشرقِ الأوسطِ الجديد-الكبير.
وإذا كانتْ هذه العمليةُ قد تأخَّرتْ قليلاً ولكنَّها بدأتْ، ومفاعيلُها ستظهرُ أكثرَ فأكثر مع الأيام، وتَلجُمُ النَّوايا العُدوانيةَ للإمبرياليةِ الأمريكيةِ وحليفتِها الصهيونية.
لقد تنبأنا منذُ اليومِ الأولِ لهذه المعركةِ أنَّها ستطولُ بسببِ مقاومةِ الشعبِ الفلسطيني مِن جهة، وبسببِ المخطَّطاتِ البعيدةِ المدى للعَدوّ الذي يَستهدِفُ كلَّ دولِ المنطقةِ الأساسية مِن جهةٍ أخرى، وهذا ما حصل...
كلُّ ما ذكرناه أعلاه ينعكسُ بشكلٍ مباشرٍ على بلدِنا سوريا: لذلكَ فالآفاقُ مفتوحةٌ ومتعدِّدةُ الاحتمالات، وإذا كانتْ هذه الآفاقُ هي العاملُ الموضوعيُّ الذي سيحدِّدُ اتجاهَ التطوِّرِ اللاحق، فإنَّ العاملَ الذاتيَّ هو الشرطُ الكافي لتمديدِ هذا الاتجاه.
والشرطُ الذاتيُّ هو درجةُ استعدادِ الناسِ للعبِ دورٍ سياسيٍّ فَعَّالٍ في حَسمِ مصيرِ تطورِ البلاد، ولهذا الشرطِ الذاتيٍّ شروطُه أيضاً:
تجربةُ الجمهورِ نفسِه التي خاضَها في الفترةِ الأخيرةِ والدروسُ المستخلصةُ منها، وإذا كنا نريدُ الموضوعيةَ في التحليلِ فيجبُ القولُ إنَّ هنالكَ درجةً عاليةً من التشويشِ وعدمِ اليقينِ حالياً، وخلالَ العامِ الذي مضى لُوحِظَتِ انزياحاتٌ في المِزاجِ والوعيِ الاجتماعي، فإذا كانتْ هنالكَ درجةٌ عاليةٌ من التفاؤلِ والابتهاجِ الجماهيري بعد سقوطِ السلطةِ السابقة، فقد حلَّ محلَّها بالتدريجِ حالةٌ من الشكِّ وعدمِ اليقين، وخاصةً في ظلِّ تطوُّرِ الحالةِ الأمنيةِ والاقتصاديةِ والاجتماعية، ونعتقدُ أنه بالتدريج ستكسبُ الأمزِجةُ المؤيدةُ لوحدةِ سوريا والمُعاديةُ للطائفيةِ مساحاتٍ أوسع، لأنَّ في ذلكَ المَخرَجَ الوحيدَ للوصولِ إلى برِّ الأمان، وهي الآنَ في حالةِ كُمون...
ولا يُمكنُ لهذهِ التجربةِ نفسِها أنْ تتطوَّرَ وتكتسبَ جوهراً غنياً وجديداً دونَ دورِ الطليعةِ الواعية.
لا نريدُ القولَ إنّنا الطليعةُ الواعيةُ الوحيدة، فكلُّ قوةٍ سياسيةٍ تتفهَّمُ هذه الضروراتِ وتَعملُ عليها يمكنُ أنْ تلعبَ دوراً طليعياً في توحيدِ السوريينَ ووحدةِ سوريا، لكنْ فيما يخصُّنا، فإنَّ اللحظةَ الحاليةَ ستُحَمِّلُنا مسؤولياتٍ كُبرى للتَّصدِّي لهذه المهمّة.
مِن هنا أهميةُ تقويةِ الحزبِ سياسياً وفكرياً وتنظيمياً وجماهيرياً. هذهِ المهمةُ التي لا تَعلو عليها أيُّ مهمةٍ أخرى، لذلك جاءَ مؤتمرُنا هذا لوضعِ الأساسِ لحلِّ هذهِ المهمة، عبر إقرارِ الوثائقِ الأساسية، وخاصةً البرنامجَ والنظامَ الداخلي، وعَبْرَ تقويةِ التنظيمِ لتوسيعهِ وضمِّ أفضلِ العناصرِ الطليعيةِ في المجتمعِ إليه، وكذلك عَبْرَ رفعِ مستوى الكادرِ فكرياً وسياسياً، عَبْرَ عمليةِ تثقيفٍ دائمةٍ وعميقة.
إنَّ الوضعَ في البلادِ معقَّدٌ وصَعب، ولكنْ ليست هناكَ مهمةٌ غير قابلةٍ للحلِّ أمامَ الثوريِّين الحقيقيِّين؛ فالوضعُ الدوليُّ وموازينُه يسيرُ بثباتٍ في الاتجاهِ الذي توقَّعناه، وتتسارَعُ هذه العمليةُ اليوم. والوضعُ الإقليميُّ يَشهدُ وسيَشهدُ تغيراتٍ إيجابيةً بغضِّ النظَرِ عن عدوانيةِ الغربِ الإمبرياليةِ والصهيونية.

وفي الوضعِ الداخلي، تكتسبُ مصداقيةً أكبرَ -نتيجةً للتجربة التي مرّتْ بها بلادُنا- المواقفُ العقلانيةُ الثوريةُ التي تريدُ تغييراً جذرياً شاملاً كما قلنا دائماً.
بقيَ شيءٌ وحيدٌ يجبُ توفيرُه: هو الإرادةُ والتصميمُ على تنفيذِ خطِّنا المُقَرِّ بغَضِّ النظرِ عن الصعوبات. إنَّ الصبرَ والإصرارَ على الهدفِ والثباتَ على المبدأ هي صفاتٌ حميدةٌ يحترمُها جمهورُ الناس، أمّا الزَبَدُ الذي تَرَوْنَهُ الآنَ على السطح فسيذهبُ جَفاءً، ولن يبقى إلّا ما ينفعُ الناس.
والمهمُّ الآن تجميعُ القوى وحشدُها باتجاهِ الحلِّ السياسيِّ الشاملِ للأزمةِ السوريةِ التي طالتْ والتي تُهَدِّدُ اليومَ وحدةَ البِلادِ فعلياً.
إنَّ المؤتمرَ الوطنيَّ العام هو الأداةُ الأهمُّ في تجميعِ كلِّ القوى التي تريدُ وحدةَ البلادِ وإنفاذَ حقِّ الشعبِ السوريِّ في تقريرِ مصيرِهِ بنفسِه، ولا يوجدُ حلٌّ آخَر، وإذا كانَ هنالك حلٌّ آخَرُ فليَدُلُّونا عليه...
لماذا؟
أثبتتِ التجربةُ أنَّ أيَّ حلولٍ ثنائيةٍ بينَ أطرافِ الأزمةِ السورية مصيرُها الفشلُ إذا لم تكنْ جُزءاً مِن أفقِ حلٍّ شاملٍ تُشارِكُ فيه كلُّ المكوِّناتِ السياسيةِ والمناطقية وتكونُ ضامنةً لتنفيذِه. إنَّ الاستمرارَ في الدورانِ عبثاً ضِمنَ دائرةِ الحلولِ الثنائية هو إدامةٌ للأزمة وعَرقلةٌ لِحَلِّها. لذلك المطلوبُ مِن كلِّ المعنيِّينَ الذين يريدونَ حُلولاً فِعلية، التوجُّهُ بأسرعِ وقتٍ إلى الحوارِ الشامل الذي يُسهِّلُ ويضمنُ هذه الحلول... ولن تكونَ هناك فائدةٌ تُرجَى مِنَ الحديثِ عن ضرورةِ الخضوعِ للمَركَزِ إذا لم يكنْ هذا الخضوعُ طَوعياً، الأمرُ الذي ستسَهِّلُه طاولةُ الحوارِ الشاملة.
لأنَّ المؤتمرَ الوطنيَّ العام هو الأداةُ الوحيدةُ الواقعية لإنفاذِ جوهرِ القراراتِ الدوليةِ حولَ الأزمةِ السورية، 2254 و2799، وهذه القراراتُ هي خريطةُ طريقٍ للخروجِ من الأزمة، وتأمينٌ لحقِّ الشعبِ السوري بتقريرِ مصيرِه بنفسِه ودونَ تدخلٍ خارجي.
لأنَّ مؤتمراً كهذا هو الجهةُ الوحيدةُ القادرةُ على رسمِ بُنيةِ النظامِ السياسيِّ الجديدِ الذي يستحقُّهُ الشعبُ السوري، والذي سينعكسُ في الدستورِ القادم عَبْرَ أوسعِ توافقٍ ممكنٍ بين السوريين.

الرفيقات، الرفاق...
إنَّ إنجازَ جدولِ أعمالِ هذه الجلسةِ مِن مؤتمرِنا، عَبْرَ إقرارِ الوثائق، البرنامج، النظام الداخلي، القضية الكردية وشعوب الشرق العظيم، وعَبْرَ تجديدِ الهيئاتِ القيادية، يجبُ أنْ يسمحَ لنا بالانطلاقِ إلى الأمام نحوَ حِزبٍ لا يكتفي برصيدِه وإنما يعملُ على توسيعِهِ وزيادتِه، ليكونَ عاملاً فعّالاً في تحقيقِ آمالِ شعبِنا السوري، وإنهاءِ الأزمةِ السورية، والانتقالِ إلى سوريةَ الجديدة التي يريدُها كلُّ وطنيٍّ غيورٍ مهما كانتْ توجُّهاتُه السياسيةُ والفكرية.

معلومات إضافية

العدد رقم:
1261