الغزل والنسيج في سوريا... من ركيزة اقتصادية إلى عبء على العمال
ميلاد شوقي ميلاد شوقي

الغزل والنسيج في سوريا... من ركيزة اقتصادية إلى عبء على العمال

لم يكن قطاع الغزل والنسيج في سوريا مجرد صناعة عادية، بل شكل لعقود طويلة العمود الفقري للصناعة الوطنية وأحد أهم مصادر التشغيل والاستقرار الاجتماعي، خصوصاً في مدن مثل حلب وحماة ودمشق، غير أن هذا القطاع الذي بُني بجهود آلاف العمال، انتهى اليوم إلى وضع هش، يدفع فيه العمال وحدهم ثمن سياسات خاطئة وفساد وحرب وانهيار اقتصادي.

صناعة وطنية بنيت بسواعد العمال


نشأ قطاع الغزل والنسيج السوري منذ خمسينيّات القرن الماضي على أساس
المبادرة الخاصة والمهارة الحرفية معتمداً على القطن السوري عالي الجودة. وتوسعت المعامل، وازدهرت الصادرات، وتكونت طبقة عاملة صناعية واسعة شكلت قاعدة للاستقرار الاجتماعي والاقتصادي. كان العامل في هذا القطاع منتجاً فعلياً وذا مهارة متراكمة وشريكاً في الازدهار الصناعي.


التأميم... الأمان مقابل الكفاءة


مع موجة التأميم في ستينيّات القرن الماضي، انتقلت شركات الغزل والنسيج الكبرى إلى ملكية الدولة وحصل العمال على تثبيت وظيفي وأمان نسبي وحضور نقابي، لكن في المقابل دخل القطاع في دوامة بيروقراطية وفساد وضعف الإدارة وغياب التحديث وتراجع الحوافز الإنتاجية، ورغم ذلك بقي القطاع قائماً لأن العمال حافظوا عليه لا لأن السياسات كانت ناجحة.


التآكل الصامت قبل انفجار الأزمة عام 2011


منذ التسعينيّات وبداية الألفية بدأت مؤشرات الانهيار تظهر؛ آلات متهالكة وخسائر مالية ومنافسة غير عادلة مع المستوردات، وغياب حماية حقيقية للإنتاج الوطني، وفساد إداري ونهب مالي. وطرحت شعارات عدة للإصلاح وإعادة الهيكلة، لكن التنفيذ بقي شكلياً وبدأ الضغط يتزايد على العمال عبر تجميد الأجور وتقليص التوظيف وتحميلهم مسؤولية الخسائر.


الحرب... الضربة القاصمة


مع انفجار الأزمة السورية واندلاع الحرب كان قطاع النسيج من أكثر القطاعات تضرراً بسبب تدمير وسرقة المصانع ونزوح وتشريد العمال، والتوقف شبه كامل للإنتاج وتراجع زراعة القطن وخروج الأراضي من الزراعة. ووجد آلاف العمال أنفسهم بلا عمل فعلي أو برواتب لا تكفي أياماً معدودة أو بعقود سنوية مؤقتة بلا ضمان، ولم تطرح خطة إنقاذ حقيقية بل ترك العمال يواجهون مصيرهم.


ما بعد الحرب:لا خصخصة معلنة ولا حماية


بعد سنوات الحرب أبقت الدولة على الملكية العامة شكلياً لكنها اتجهت عملياً إلى دمج الشركات وتقليص العمالة وتشغيل جزئي، وفتح الباب أمام شراكات غير واضحة، ورغم الحديث المتكرر عن الخصخصة لم تنفذ بشكل رسمي لكن النتيجة واحدة؛ تراجع دور الدولة كرب عمل وبقاء العامل الحلقة الأضعف.


من يدفع الثمن؟


العمال هم وحدهم من دفعوا ثمن تأميم غير منتج وانفتاح غير عادل وحرب وسياسات تقشف، بينما لم تتم المحاسبة على الفساد وسوء الإدارة وغياب التخطيط الصناعي، ودائماً يُطلَب من العمال الصبر دون أجر عادل ودون أمان ودون أفق.
ومع بداية العام الجديد قامت الحكومة الانتقالية بتسريح مئات العمال (240 عاملاً دفعة واحدة) من معامل الغزل والنسيج، خاصة في مدينة حماة، بحجة عدم الحاجة لهم وبأنهم فائض عمالة، وتمت التضحية بهم وبأسرهم بعد خدمة عشرات السنين في المعمل ودون أي تعويض، فمن الذي سيعوضهم وهم بأعمار قاربت على الأقل نحو الأربعين عاماً، ولا يجيدون سوى هذا العمل، ولا يمكنهم التقدم لعمل جديد في هذا السن؟! وقامت بعرض الآلات وموجودات المصانع والمستودعات للبيع عن طريق المزاد العلني.
وليس تسريح عمال الغزل والنسيج في سوريا حدثاً إدارياً معزولاً ولا نتيجة حتمية للخسائر أو تراجع الإنتاج، بل هو جزء من مسار اقتصادي وسياسي أوسع يرتبط بشكل مباشر بما يسمى صراحة أو ضمناً سياسة الخصخصة وتقليص دور الدولة.
في التجربة السورية لم تبدأ الخصخصة بإعلان رسمي عن بيع شركات الغزل والنسيج، بل سلكت طريقاً غير مباشر أكثر خطورة يقوم على إضعاف الشركات العامة إدارياً ومالياً وترك الآلات دون تحديث وفتح الأسواق أمام المستورد بلا حماية، وتحميل الخسائر للعمال لا للإدارة، ثم يقال لاحقاً «الشركة خاسرة.... ولا بد من تقليص العمالة أو تسريحها»، وهنا يصبح تسريح العمال أداة تمهيدية للخصخصة لا نتيجة عرضية.
وعندما تتحول الشركة العامة من مشروع إنتاجي إلى عبء مالي يعاد تعريف المشكلة بشكل مضلل؛ لا يسأل لماذا تتهالك المعامل ولا من سمح بإغراق السوق، ولا يسأل أين ذهبت الاستثمارات بل يطرح سؤالاً واحداً فقط: «لماذا هذا العدد الكبير من العمال؟». وهكذا يصبح العامل متهماً بالخسارة، فائضاً عن الحاجة، وأول من يضحى به.


التسريح كشرط لجذب الاستثمار


في منطق الخصخصة أو الشراكة مع القطاع الخاص، يقدم تسريح العمال على أنه شرط لجذب الاستثمار، بحجة تخفيف التكلفة وزيادة المرونة ورفع الكفاءة. لكن الواقع يقول إن المستثمر يريد شركة بلا عمَّال قدامى وبلا حقوق مكتسبة وبلا تنظيم عمالي، وبعقود هشة منخفضة الأجر، أي أن التسريح ليس إصلاحاً بل إعادة تشكيل علاقة العمل لصالح رأس المال.


ما يقال وما لا يقال


يقال نحمي ما تبقى من الشركات ولا يقال نحمي الأرباح المستقبلية، ولا يُقال ننقل المخاطر إلى العمال ونفرغ القطاع العام من مضمونه الاجتماعي! فالخصخصة هنا لا تعني فقط نقل الملكية بل نقل الخسارة إلى العمال ونقل الربح لاحقاً إلى قلة.


الغزل والنسيج نموذجاً لما ينتظر بقية القطاعات


ما يجري في الغزل والنسيج ليس استثناءً بل نموذج تجريبي لإضعاف الشركات وتجميد الأجور وعقود مؤقتة وتسريح تدريجي والحديث عن شراكة أو استثمار واختفاء الدور الاجتماعي للدولة وإذا مر هذا النموذج دون مقاومة عمالية فسيتكرر في قطاعات أخرى.


ما المطلوب عمالياً؟


الربط بين الخصخصة وتسريح العمال يفرض موقفاً واضحاً أننا لسنا ضد تطوير الشركات، ولسنا ضد تحسين الكفاءة لكننا نرفض الخصخصة على حساب العمال وضد التسريح كحل، ونرفض تحميل العامل مسؤولية فشل السياسات، ونطالب بإعادة هيكلة بمشاركة العمال ومحاسبة الإدارة قبل تسريح العامل مع ضمان الأمان الوظيفي.
إن إنقاذ قطاع الغزل والنسيج لا يكون عبر الخصخصة على حساب العمال أو الإبقاء الشكلي على الشركات الخاسرة، أو تحميل العامل مسؤولية السياسات بل عبر القطع الكامل مع السياسات الاقتصادية للسلطة الساقطة، بل بإعادة هيكلة حقيقية يشارك فيها العمال، ومن خلال حماية الإنتاج الوطني وضخ الأموال اللازمة لتحديث المعامل مع ضمان أجر عادل للعمال وتنظيم عمالي مستقل يدافع عن الحقوق.
فالمعركة ليست على الشركة بل على الحق فمعركة عمال الغزل والنسيج ليست فقط معركة وظائف بل معركة على طبيعة الاقتصاد؛ هل هو اقتصاد يخدم المجتمع أم يضحي بالعمال، فالخصخصة عندما تبدأ بتسريح العمال فهي لا تصلح الاقتصاد بل تكشف لمن تعمل.
قصة الغزل والنسيج في سوريا هي قصة صناعة بناها العمال، ودفعوا ثمن انهيارها وإذا كان لهذا القطاع أن ينهض مجدداً فلن يكون ذلك دون إعادة اعتبار للعامل لا كرقم في دفاتر الخسارة بل كركيزة لأي نهوض اقتصادي حقيقي.
فالعامل ليس المشكلة... العامل هو الحل.

معلومات إضافية

العدد رقم:
1261