الحوار بوصفه صراعاً: لماذا يُهاجَم الخيار الوحيد الممكن في سورية؟
رمزي السالم رمزي السالم

الحوار بوصفه صراعاً: لماذا يُهاجَم الخيار الوحيد الممكن في سورية؟

يُعاد اليوم، بعد أكثر من عقد على اندلاع الأزمة السورية، التشكيك مجدداً في جدوى الحوار بوصفه مدخلاً للحل. ويتذرّع المشككون بحجج تبدو للوهلة الأولى واقعية: طبيعة هذا الطرف أو ذاك، أو بنيته الأيديولوجية، أو سجله في العنف، أو ارتباطاته الإقليمية والدولية. وكأن هذه العوامل، التي كانت أصل الأزمة وتعقيدها، تصلح ذريعة لإلغاء السياسة نفسها بوصفها الأداة الوحيدة القادرة على إخراج البلاد من المأزق.

منذ تحوّل الاحتجاجات السلمية إلى صراع مسلح في أواخر عام 2011، تشكّلت في سورية ثلاثة أنماط رئيسية من الخطاب السياسي، عكست طرقاً متباينة في فهم الصراع وإدارته.


ثلاثة مواقف


الأول: دعا إلى الحسم العسكري، واعتبر الطرف الآخر مندسّاً ثم عميلاً، ولاحقاً إرهابياً، وشرعن العنف باسم الدفاع عن أمن الدولة ووحدتها، وسيادتها.
الثاني: برّر العنف المضاد، بدايةً تحت شعار الدفاع عن النفس، ثم تطوّر إلى خطاب إسقاط النظام بالقوة و(تحرير) سورية بالسلاح، وهو ما عبّر عنه سياسياً الائتلاف المعارض في مراحل متعددة.
الثالث: رفض منطق العنف والعنف المضاد، ودعا منذ اللحظة الأولى إلى الحوار والحل السياسي.
ولا يحتاج الأمر إلى كثير من الجهد لملاحظة المصير الذي آلت إليه رهانات الخطابين (الأول والثاني) فالسلطة انهارت كتعبير عن دولة فاعلة ذات سيادة، والمعارضة المسلحة تفككت، والجيش الحر أصبح جزءاً من الماضي. أما موضوع الخلاف نفسه- الدولة والمجتمع- فقد بات مهدداً في وجوده ووحدته.


خيار الحوار: قراءة مختلفة للأزمة


ما سنتوقف عنده هنا هو الخيار الثالث: خيار الحوار. هذا المسار، الذي بقي ثابتاً في جوهره رغم تغيّر الظروف وتبدّل موازين القوى، لم يكن خيار ضعف أو حياد، كما حاول خصومه تصويره، بل انطلق من قراءة مختلفة جذرياً لطبيعة الأزمة السورية.
أنصار هذا الخيار تعرضوا لهجوم مزدوج: السلطة اتهمتهم بالاصطفاف مع خصومها، والمعارضة المسلحة اتهمتهم بالتواطؤ مع النظام. والسبب بسيط: الحوار، في بيئة مستقطبة، يُنظر إليه بوصفه تهديداً مباشراً لمنطق الغلبة، لأنه يسحب الشرعية من السلاح، ويعيدها إلى السياسة.


لماذا الحوار؟ الحقائق التي تجاهلها الجميع!


القراءة التي استند إليها دعاة الحوار قامت على جملة من الحقائق الموضوعية.
أولها: أن ميزان القوى، داخلياً وإقليمياً ودولياً، لا يسمح لأي طرف بتحقيق نصر حاسم، وكل ما كان ممكناً هو إطالة أمد الصراع، ورفع كلفته الإنسانية دون تغيير حقيقي في النتيجة.
ثانيها: أن الأزمة السورية تفجّرت في لحظة إعادة تشكّل ميزان القوى الدولي، وبحكم موقع سورية الجيوسياسي تحوّلت سريعاً إلى ساحة صراع إقليمي ودولي. ومع الانقسام الحاد في الداخل، اندفع كل طرف للبحث عن داعم خارجي، ما أدى إلى تدويل الصراع، وتغييب السوريين أنفسهم عن موقع الفاعل.
الثالثة: هي أن الانقسام السياسي لم يكن انعكاساً مباشراً للانقسام الاجتماعي الحقيقي. أي مصالح السوريين الاقتصادية والاجتماعية والسياسية، وكان الحوار يُعتبر ضبطاً للصراع، لكن الخيار العسكري عمّق انقسامات مشوّهة، ومنع تبلور صراع سياسي طبيعي قائم على البرامج، وأجهض إمكانية تبلور كتلة اجتماعية واسعة قادرة على حمل مشروع تغيير حقيقي.

شروط الحوار: من الشعار إلى المسار


منذ عام 2011، لم يطرح أنصار الحوار هذا الخيار كشعار فضفاض، بل بوصفه عملية سياسية واضحة الشروط. فقد دعوا إلى حوار علني يُبث عبر وسائل الإعلام الرسمية، ويُدار وفق برنامج زمني محدد، بحيث يكون خاضعاً لرقابة الرأي العام السوري. فالحوار الذي يُدار في الغرف المغلقة لا يؤسس لحل، بل يعيد إنتاج الأزمة.
كما شددوا على أن يكون الحوار شاملًا، تشارك فيه القوى السياسية والأهلية والمجتمعية كافة، دون إقصاء أو فيتو مسبق على أحد، ودون شروط تعجيزية من أي طرف. وجرى رفض منطق الصفقات الثنائية، والتقاسم الطائفي أو القومي، باعتباره مساراً يقود إلى تفكيك الدولة، لا إعادة بنائها.
أما الغاية من الحوار، فهي الوصول إلى توافقات حقيقية. والتوافق لا يعني إلغاء الخلافات، بل إدارتها سياسياً، وهو يفترض استعداداً لتقديم تنازلات متبادلة، والبحث عن القواسم المشتركة التي يمكن أن تشكّل أساسًا لعقد سياسي جديد.
ورغم الانعطاف الهام الذي حدث في البلاد بانهيار السلطة البائدة، والتي كانت فرصة للبدء بحوار وطني شامل، إلا إن العقلية السابقة في التعاطي مع الحوار الوطني استمرت، مع السلطة الجديدة، وكذلك بعض خصومها، لا بل ظهرت تعقيدات جديدة، وانقسامات أفقية وعمودية، أكدت من جديد على أهمية إجراء حوار حقيقي ولا يلغيه.


الحوار كاختبار أخلاقي وسياسي


الموقف من الحوار ليس مسألة تكتيكية أو ظرفية، بل بات اختباراً كاشفاً أمام الجميع. إنه ورقة عباد الشمس التي تكشف حقيقة مواقف الأطراف السورية كافة، من السلطة إلى من يتصارع معها، كما تكشف حقيقة القوى الدولية والإقليمية المنخرطة في الأزمة، ومدى حرصها الفعلي على الشعب السوري في ظل الهاوية التي وصلت إليها البلاد.
في بلد يقف على حافة الانهيار، لم يعد هناك مجال للمناورة الخطابية. إما الانتقال الجدي من منطق الحرب إلى منطق السياسة، ومن خطاب التعبئة إلى خطاب وطني جامع، أو الاستمرار في مسار التفكك تحت عناوين مختلفة.
الدفاع عن الحوار اليوم ليس ترفاً فكرياً، ولا محاباة لأحد، بل دفاع عن السياسة نفسها، وعن حق السوريين في أن يكونوا فاعلين في تقرير مصيرهم، لا مجرد ضحايا لصراع لا ينتهي.

معلومات إضافية

العدد رقم:
1261