التنسيق مع البنك الدولي... هل يحتمل الاقتصاد السوري مزيداً من الضغوط؟

التنسيق مع البنك الدولي... هل يحتمل الاقتصاد السوري مزيداً من الضغوط؟

أثار خبر المباحثات الجارية بين الحكومة السورية ومؤسسة التمويل الدولية التابعة للبنك الدولي حول إمكانية افتتاح مركز إقليمي للمؤسسة في دمشق، تساؤلات مشروعة حول توقيت هذه الخطوة وانعكاساتها المحتملة على الاقتصاد الوطني، ولا سيما في ظل واقع اقتصادي هش تمر به البلاد بعد سنوات طويلة من الحرب والعقوبات وتراجع القدرة الإنتاجية.

بحسب ما نُشر، تناولت اللقاءات دعم التحول والحوكمة في الشركات المملوكة للدولة وتحويلها إلى شركات مساهمة عامة، إضافة إلى إصلاح القطاع المالي وقطاع التأمين، وتعزيز الشراكات بين القطاعين العام والخاص. وهي عناوين تحمل في ظاهرها طابعاً إصلاحياً، لكنها في مضمونها العملي ترتبط بنهج اقتصادي معروف تتبناه مؤسسات التمويل الدولية، يقوم على تقليص دور الدولة الإنتاجي، وتعزيز حضور القطاع الخاص وفق منطق الربحية والأسواق المفتوحة.
التجارب الدولية، ولا سيما في الدول الخارجة من أزمات عميقة، تُظهر أن هذا النوع من «الإصلاحات» غالباً ما يُرافقه ضغط إضافي على الاقتصادات الهشة، حيث تتحول الشركات العامة من أدوات لخدمة التنمية والوظيفة الاجتماعية إلى كيانات تبحث عن الربح، ما ينعكس على أسعار الخدمات، ومستويات التشغيل، وقدرة الدولة على توجيه الاقتصاد بما يخدم المصلحة العامة.

وفي الحالة السورية تحديداً، تبدو المخاوف أكثر إلحاحاً. فالاقتصاد الوطني يعاني من ضعف السيولة، وتآكل البنية الإنتاجية، وتراجع دخل المواطنين، وارتفاع نسب الفقر والبطالة. وفي مثل هذا السياق، فإن إدخال نماذج جاهزة لإصلاح الشركات والحوكمة والشراكات العامة–الخاصة، دون مراعاة دقيقة للخصوصية الوطنية والمرحلة الانتقالية الحساسة، قد يؤدي إلى نتائج عكسية، ويضيف قيوداً جديدة بدل تخفيف الأعباء.
كما أن تحويل الشركات المملوكة للدولة إلى شركات مساهمة عامة، حتى وإن تم تحت عناوين «الشفافية والحوكمة»، يفتح الباب أمام خصخصة غير مباشرة، أو فقدان تدريجي لسيطرة الدولة على قطاعات استراتيجية، في وقت يفترض فيه أن تكون هذه الشركات رافعة أساسية للاقتصاد، وتأمين الخدمات الأساسية، ودعم الاستقرار الاجتماعي.

ولا يمكن إغفال أن مؤسسة التمويل الدولية، بحكم طبيعتها، تعمل على دعم القطاع الخاص والمستثمرين، وليس على تعزيز الدور التنموي للدولة. وعليه، فإن توسيع حضورها في سورية يجب أن يُقرأ بحذر، خاصة إذا ترافق مع التزامات أو توصيات تمس السيادة الاقتصادية، أو تفرض أولويات لا تنسجم مع حاجات الاقتصاد الوطني في هذه المرحلة.
إن سورية اليوم لا تحتاج إلى مزيد من الضغوط، ولا إلى وصفات اقتصادية مُجَرَّبة أثبتت فشلها في دول عديدة، بل تحتاج إلى سياسات مرنة، واقعية، تحمي ما تبقى من القطاع العام، وتدعم الإنتاج المحلي، وتمنح الدولة هامشاً أوسع لإدارة التعافي الاقتصادي وفق أولويات وطنية واضحة.
وعليه، فإن أي تنسيق أو شراكة مع مؤسسات دولية، بما فيها البنك الدولي، ينبغي أن يخضع لنقاش وطني شفاف، وأن يُبنى على أساس المصالح السورية أولاً، بعيداً عن الالتزامات طويلة الأجل التي قد تُقيِّد القرار الاقتصادي، وتعمّق الهشاشة بدل معالجتها.

معلومات إضافية

العدد رقم:
1261