قطاع تربية النحل بين طوفان التحديات ومحدودية السياسات، فهل سيتم إنقاذه؟!
منية سليمان منية سليمان

قطاع تربية النحل بين طوفان التحديات ومحدودية السياسات، فهل سيتم إنقاذه؟!

يعتبر قطاع تربية النحل في سورية أحد المكونات الحيوية للقطاع الزراعي، لما يحمله من أهمية بيئية واقتصادية كبيرة، لكن شهدت تربية النحل في السنوات الأخيرة في غالبية المحافظات تحديات مختلفة ومتداخلة مما أثر سلباً على إنتاج العسل، الذي يُعد من أهم المواسم لإنتاجيته العالية بالإضافة إلى انعكاس ذلك على الحياة البشرية والطبيعة الإنتاجية لجميع مكونات الإنتاج الحيواني والنباتي.

فكيف كان الحال خلال عام 2025، الذي اعتبره مربو النحل (النحالين) ضربةً موجعةً وعاماً قاسياً هدد مصدر رزقهم وكبدهم خسائر فادحة؟!


بين التغير المناخي والحرائق


شهد عام 2025 استمرار وتيرة التغيرات المناخية، فموجات الجفاف وتغير أنماط الأمطار أسهمت في تراجع الغطاء النباتي وفقدان الموائل الطبيعية وإضعاف مصادر الرحيق التي يعتمد عليها النحل، ناهيك عن ارتفاع درجات الحرارة بشكل غير مسبوق والصقيع الذي ضرب موسم الحمضيات (في الساحل) والتي تعتبر المركز الأساسي لنحل الساحل، كذلك حرائق الغابات التي زادت الطين بِلّة، مما أدى إلى انخفاض إنتاج العسل، فتراوح بين 1000-1500 طن، فلم يتجاوز بذلك ربع متوسط الإنتاج البالغ 3500 طن سنوياً حسب بيانات وزارة الزراعة لعام 2024.


طوفان التحديات لم ينتهِ بعد


واجهت المناحل في بعض المحافظات خطراً بيئياً إضافياً تمثل في استخدام المبيدات الحشرية غير الآمنة (مجهولة المصدر والجودة) في ظل غياب الرقابة الفعالة مما تسبب بخسارة مناحل كاملة وتلوث العسل نتيجة انتقال المواد السامة من الأزهار إلى الخلايا.
كما لا يمكن تجاهل عبء ارتفاع تكاليف الإنتاج من صيانة المعدات إلى المحروقات والأدوية اللازمة لمكافحة الأمراض التي وصل الليتر أو نصف الليتر منها إلى نحو مليون ليرة سورية، فتكلفة إنتاج الكيلو غرام الواحد من العسل بأجود أنواعه وصلت إلى 300 ألف ل.س، ليباع بالسعر نفسه حسب ما أكده أحد النحالين، بينما يباع في السوق بسعر يتراوح بين 100-200 ألف ل.س، أي إن الخسارة مضاعفة إنتاجاً وتسويقاً مما ينعكس سلباً على المستهلك وقدرته الشرائية المتآكلة، ناهيك عن دخول المنتجات الأجنبية من العسل، المنافسة للمنتج المحلي، علماً أنها أقل جودة مقارنة بالعسل البلدي، لينخفض الطلب عليه مقابل أسعار (المستورد أو المهرب) الأرخص، وهذا يحتم الخسارة!


الأهمية تفوق إنتاج العسل


الأزمة تتجاوز مجرد انخفاض الإنتاج، فتربية النحل تلعب دوراً مهماً في الحفاظ على التنوع الحيوي وتوازن توزع الأنواع النباتية الأخرى، كما تساهم في زيادة الإنتاج الزراعي وتحسين نوعيته وتدعم قطاع الثروة الحيوانية بإخصاب النباتات الرعوية.
وحسب منظمة الأغذية والزراعة التابعة للأمم المتحدة، فالنحل وغيره من المُلقِحات يسهم في 35% من إجمالي إنتاج المحاصيل عالمياً ويقوم بتلقيح 87 محصولاً من أصل 115 محصول غذائي رئيسي في جميع أنحاء العالم، فقُدرت القيمة الاقتصادية الإجمالية لتلقيح المحاصيل بـ 153 مليار يورو سنوياً.
كما يعتبر العسل وكل منتجات الخلية (كالعكبر، غذاء الملكات، حبوب الطلع والشمع العسلي) غذاء وصيدلية طبيعية، بينما الأهم أن تربية النحل تشكل رافداً مهماً للمجتمعات الريفية ومصدر رزق لآلاف الأسر بمشاريع ربحية صغيرة ومتناهية الصغر.


التدخل الرسمي محدود


سعت وزارة الزراعة إلى معالجة الأزمة الحالية بعدة مبادرات وإجراءات بنشر التقنيات الحديثة وتحسين الكفاءة الإنتاجية وجودة المنتجات عبر برامج تدريبية، حيث أقامت مهرجان العسل في تشرين الثاني العام الفائت لدعم وتسويق المنتج الوطني، لكن هذه الإجراءات على إيجابيتها غير كافية، ومحدودة لا تقدم معالجة جذرية بالدعم الحقيقي والمتكامل لتكاليف الإنتاج، وتفعيل دور الرقابة على منافذ التهريب مع ترشيد الاستيراد في موسم الإنتاج المحلي، كذلك ترشيد الاستخدام العشوائي للمبيدات والتوعية بالمخاطر، بما يعزز الإنتاجية ويحقق التنافسية للمنتج المحلي كما يضمن الربحية ويحافظ على استقرار واستمرار مصدر رزق النحالين.
فالنحلة السورية تتميز برشاقتها وتأقلمها مع الظروف القاسية، فهي ضمن 24 سلالة رئيسية على مستوى العالم، وسورية الرابعة عربياً بإنتاج العسل، هذه ليست مجرد أرقام بل إعلاناً لحالة طوارئ لتتحمل الجهات الرسمية مسؤوليتها في الحفاظ عليها، فالاستهتار بهذا القطاع يعني استهتاراً بالبيئة والأمن الغذائي ومعيشة المفقرين، فالخطة العاجلة والشاملة لإنقاذه ضرورة ملّحة تتطلب إرادة سياسية حقيقية.
النحلة السورية اليوم تحمل على أجنحتها مستقبلاً واعداً ومستداماً لتنمية الاقتصاد الوطني، فماذا عن الجهات المعنية ومسؤولياتها؟!

معلومات إضافية

العدد رقم:
1261