قرار السماح باستيراد البندورة في سورية... من يفوز ومن يخسر؟
في 15 كانون الثاني 2026، أعلنت الجهات الرسمية في سورية عن السماح باستيراد البندورة عبر جميع المنافذ الحدودية، في خطوة أثارت جدلاً واسعاً بين المزارعين والاقتصاديين والمستهلكين على حد سواء. القرار جاء في سياق حديث عن ارتفاع أسعار البندورة محلياً، وفي ظل حاجة السوق لتوفير كميات أكبر من المنتج. لكن السؤال الحقيقي ليس عن سبب القرار، بل عمّن سيستفيد ومن سيتضرر من هذه الخطوة.
المستهلك... لا ضمانات بانخفاض ملموس في الأسعار
المبرر الرسمي كان خفض الأسعار وتخفيف عبء الغلاء على المواطن. لكن الواقع الاقتصادي يشير إلى أن الأسعار في السوق المحلية قد لا تنخفض بشكل ملموس أو قد يكون الانخفاض بسيطاً لا يوازي حجم الضرر الذي سيلحق بالقطاع الزراعي المحلي.
ذلك لأن...
الأسعار المستوردة تتضمن تكاليف شحن وجمارك وربح تجار، ما يعني أن الفارق بين سعر المنتج المحلي والمستورد قد لا يكون كبيراً بما يكفي ليتحول إلى «مكسب حقيقي للمستهلك».
التجار في أسواق الهال والوسطاء يسيطرون على هامش الربح، وقد لا يمررون كامل الفرق للمستهلك، بل يقتصر التأثير على «تعديل بسيط» في الأسعار.
وبالتالي فإن المستهلك لن يكون هو المستفيد الأكبر من القرار، كما قد يتصور البعض، بل سيظل واقع الأسعار مرهوناً بسلوك السوق وسلسلة الوسطاء.
الزراعة المحمية والبيوت البلاستيكية... الضحية الأولى
الضرر الأكبر من قرار الاستيراد يقع على الزراعة المحمية والبيوت البلاستيكية التي تنتج البندورة، خصوصاً في فصل الشتاء.
وهنا تكمن المفارقة الكبرى:
تكاليف الإنتاج في البيوت البلاستيكية مرتفعة (وقود تدفئة، أسمدة، أيدٍ عاملة، صيانة، رعاية، إلخ).
بينما المنتج المستورد يدخل بأسعار أقل أو منافسة، خصوصاً إذا كان مدعوماً أو يأتي من دول ذات إنتاج رخيص.
هذا يعني أن...
الزراعة المحلية ستخسر هامش الربح أو تدخل في خسارة مباشرة.
كثير من المزارعين قد يضطرون إلى تقليص الإنتاج أو التوقف نهائياً.
ذلك سيؤدي إلى تراجع الاستثمار في القطاع الزراعي الذي يعاني أصلاً من ضغوط اقتصادية.
وبالتالي فإن القرار قد يكون بمثابة «الضربة الأخيرة» للزراعة المحمية، ليس على مستوى الإنتاج فقط، بل على مستوى العمالة في هذا القطاع.
العاملون في القطاع الزراعي... من سيحمّل الفاتورة؟
الزراعة المحمية ليست مجرد محصول، بل هي قطاع اقتصادي كامل يتضمن:
عمّالاً موسميين في الحصاد والتعبئة.
سائقين ونقل.
موردي المواد ومستلزمات الإنتاج.
شركات تعبئة وتغليف.
وبمجرد تراجع إنتاج البندورة المحلية، فإن سلسلة العمالة هذه كلها ستتضرر. فحتى إذا ظلت البيوت البلاستيكية موجودة، فإن تقليص الإنتاج يعني تقليص العمالة وتقليل فرص العمل، وهذا ينعكس مباشرة على واقع العائلات المعتمدة على هذا القطاع.
المستفيدون الحقيقيون...«حيتان الاستيراد» وتجار الهال
القرار، كما ورد في واقع السوق، لا يهدف بالضرورة إلى دعم المستهلك أو حماية الاقتصاد الوطني، بل قد يكون مكسباً جديداً لفئة محددة:
شركات الاستيراد الكبيرة التي تمتلك القدرة على جلب كميات ضخمة بأسعار تنافسية، وتتحكم في السعر والكمية.
تجار أسواق الهال الذين يتحكمون في عملية التوزيع والتسعير، ويستفيدون من أي حركة في العرض بغض النظر عن مصلحة المستهلك أو المنتج المحلي.
هذه الفئة غالباً ما تمتلك:
علاقات تجارية قوية.
إمكانية تخزين وتوزيع واسعة.
قدرة على الضغط في السوق.
وبالتالي فإن القرار يخدم مصالحهم بشكل أكبر من خدمة مصلحة المواطن أو دعم الزراعة المحلية.
القرار قد يقتل «الزراعة المحلية» لصالح «الاستيراد الكبير»
إذا نظرنا إلى القرار بموضوعية، فإن نتائجه تبدو كالآتي:
المستهلك: قد يحصل على انخفاض بسيط في الأسعار أو لا يحصل على أي انخفاض ملموس.
المزارع المحلي: سيُسجل خسائر كبيرة، وقد يتوقف عن الإنتاج أو يقلل منه.
العمال في الزراعة المحمية: سيعانون من فقدان فرص العمل وتراجع الدخل.
حيتان الاستيراد وتجار الهال: هم الفئة الأكثر استفادة، لأنهم يسيطرون على سلسلة العرض والطلب.
وبذلك يصبح القرار موجهاً أكثر نحو تعزيز الاستيراد وفتح سوق جديد للوسطاء، وليس نحو حماية المنتج الوطني أو دعم المواطن.
معلومات إضافية
- العدد رقم:
- 1261