التبغ السوري، متى سينتهي فصل السياسات المجحفة؟!
رشا عيد رشا عيد

التبغ السوري، متى سينتهي فصل السياسات المجحفة؟!

عام 2025 لم يكن مجرد رقم هامشي في ملف زراعة التبغ في سورية، بل مؤشراً مؤلماً لاستمرار التراجع بعد سنوات من الانتكاسات في زمن سلطة النظام البائد بسياساتها المجحفة وسوء التعامل مع المزارعين على الرغم من الإيراد الكبير الذي حققته سابقاً من هذا المحصول.

على ما يبدو فإن السلطة الحالية تسير بالعقلية ذاتها التي تُضاعف خسارة المزارعين وتضرب محاصيل استراتيجية ثم تُجيّر الأزمة لعواملٍ طبيعية أمام عوامل أخرى متداخلة تُعمق الأزمة وتكرّس سياسة الحلول الترقيعية المؤقتة.
أمام الأرقام تسقط الاحتمالات والتحسينات الشكلية، فتتلاشى معها الوعود ولا يشفع لها حسن النوايا الرسمية أمام واقع من سيّئ إلى أسوأ.
فحسب بيانات وزارة الزرعة في السنوات السابقة، كانت الخطة الزراعية للمساحات المخصصة لزراعة التبغ تقدر بـ 8678 هكتاراً، بينما لم تتجاوز المساحة المزروعة فعلياً لعام 2025 حدود 3666 هكتاراً أي بنسبة تنفيذ 42% فقط.
فمثلاً المساحات المخصصة للزراعة في طرطوس (وفق خطة 2024-2025) والتي تملك النسبة الأكبر بالمساحات المزروعة لم تتغير عن العام الماضي دون أي توسع.
كما أن الإنتاج السنوي كان يتجاوز 12 ألف طن حتى عام 2020 ليتراجع إلى نحو 5781 طناً في الموسم الماضي.

أما التسعيرة فتراوحت بين 23-32 ألف ل.س للكيلوغرام الواحد وتختلف حسب نوعه، وعلى الرغم من زيادتها عدة مرات لكنها بقيت غير مُجزية وبعيدة عن واقع تكاليف الإنتاج التي تقفز أسعارها توازياً مع كل زيادة، فتتبخر أمام زراعة متتابعة ومعقدة بمراحل طويلة وشاقة ومرهقة بلا ضمانات، وجني ثمرة تعب عام كامل وسط غياب سياسة الدعم الزراعي للوقوف إلى جانب المزارع لضمان استقرار القطاع الزراعي واستدامة زراعة التبغ كأحد المحاصيل الاستراتيجية، فالأرقام أعلاه لا تنفي أثر التغير المناخي والجفاف الذي تسبب بتراجع المساحات والإنتاج، لكن لا يمكن تجاهل سياسة التخلي الرسمية عن دعم العملية الإنتاجية المُكلفة دون عدالة سعرية مُشجعة!
تركزت جهود المؤسسة العامة للتبغ عام 2025 على استلام المحصول (المتأخرة أساساً في استلامه) مع توسيع نطاق مراكز الاستلام، كما أكد مكتبها الإعلامي وفق تصريح ذكرته صحيفة «الحرية» بتاريخ 9/1/2026، على الآليات الجديدة للتوريد المستمر بتحمّل المؤسسة تكلفة نقل المحصول من مناطق الزراعة إلى مستودعاتها على نفقتها الخاصة مع تقديم عبوات التغليف (الخيش) مجاناً للمزارعين، كذلك البذور عالية النقاوة بهدف تخفيف الأعباء المالية عن المزارعين وتعزيز استدامة الزراعة، مع تقديم تراخيص لمزارعين جدد ودعمهم.

هذه الإجراءات الإدارية على أهميتها وغاياتها (علماً أنها أقل ما يمكن تقديمه) أشبه بالمُسكنات التي لا تعالج مرضاً مزمناً، فما تعتبره المؤسسة تحفيزاً لا يعالج مثلاً المشكلة بتأخر دفع المستحقات لموسم 2024، وتعرض المزارعين للاستغلال والتحكم من قبل حيتان السوق، ليضطر البعض إلى بيع محصوله بسعرٍ بخس لتأمين لقمة العيش بعد تراكم الديون نتيجة ذلك.
وعليه، فالمشكلة الحقيقية في فلسفة هذا الدعم وتوقيته، الذي يضاف إلى سلسلة هموم الفلاح من الجفاف إلى ارتفاع تكاليف الإنتاج وظلم السياسة التسعيرية، وبعدها يُطالب الفلاح باستمرار زراعة أرضه بلا ضمانات!
فكيف يجازف ولم يحصل على أبسط حقوقه؟!
المطلوب، الاستلام والدفع الفوري لضمان حق الفلاح وكسر حلقة المديونية والاستغلال، فنجاح أي خطة توسّع تكون باتباع مسار دعم متكامل للعملية الزراعية والإنتاجية، بتسعير عادل يضمن هامشاً ربحياً للفلاح بالإضافة إلى إعادة تأهيل بيئة عمل المؤسسة لرفع سوية التصنيع والإنتاج مع تفعيل الرقابة الفعالة للسوق المحلي الغارق «بالدخان المستورد أو المهرب الرخيص» عبر ضبط منافذ وقنوات التهريب وترشيد الاستيراد، يما يحقق التنافسية للإنتاج المحلي.
فإذا كانت الغاية الدعم والتحسن والتشجيع فلا يمكن البدء بالمكملات والحديث الإعلامي عن إجراء بحوث ودراسات كخطوة جيدة واستباقية تفقد معناها أمام واقع يكتب نهاية زراعة المحصول، الذي كان ولم يزل عماداً لآلاف الأسر السورية ورافداً مهماً للاقتصاد الوطني، وغير ذلك من إجراءات كبهرجة كلامية ترقيعية لثوب مهترئ!

معلومات إضافية

العدد رقم:
1261