اقتصاد «حر...» ومستهلك مُقيَّد... حين يتحوّل إعلان السعر إلى رخصة نهب
مرةً أخرى، تُقدَّم لنا «فلسفة التسعير» بوصفها عصا سحرية، بينما هي في الواقع عصا تُكسَر على ظهر المستهلك. ففي تصريح لصحيفة «الثورة السورية» بتاريخ ٨ كانون الثاني، قال مدير حماية المستهلك وسلامة الغذاء في الإدارة العامة للتجارة الداخلية، حسن الشوا، بوضوح لا يحتمل التأويل:
«بالنسبة للأسعار، فنحن أمام اقتصاد حر، بالتالي لا يوجد تحديد سعر، والتنافسية هي الأساس».
هكذا، بكل بساطة، تُرفع يد الدولة عن أخطر ملف يلامس لقمة عيش الناس، ويُلقى المستهلك في حلبة «السوق الحر» عارياً من أي حماية حقيقية، في مواجهة احتكارات متنكرة بلباس التنافس، وجشع لا يعرف سقفاً.
إعلان السعر... حبل نجاة أم حبل خنق؟
يحاول الخطاب الرسمي التخفيف من وقع هذه الفلسفة بالحديث عن «ضوابط موازية»، فيقول الشوا:
«لكن بالتأكيد توجد ضوابط من خلال قانون الأوزان والالتزام بالمواصفات وبطاقة البيان».
لكن أي ضوابط هذه التي تكتفي بوزنٍ صحيح وعبوةٍ سليمة، بينما السعر يحلّق بلا رقيب؟
وأي عدالة تتحقق حين يصبح «إعلان السعر حقاً للمستهلك» كما ورد في التصريح، وكأن مجرد تعليق رقم على السلعة هو ذروة الحماية، وهو– في الواقع– شرعنة رسمية للفوضى السعرية... سعر معلن، نعم... لكن من يحدده؟ وعلى أي أساس؟ وبأي قدرة شرائية؟
لقد تحوّل إعلان السعر من أداة شفافية إلى غطاء للاستغلال.
يُعلَن السعر، فيرتاح التاجر من أي مساءلة، ويُطلب من المستهلك أن «يختار» بين أسعار كلها مرتفعة، في سوقٍ يعاني اختلالاً بنيوياً في الدخل والقدرة على الوصول والمعلومة.
«التنافسية» التي لا يراها أحد
يُقال إن التنافس يضبط السوق. لكن أي تنافس في واقع تتشابه فيه الأسعار ارتفاعاً لا انخفاضاً؟ وأي سوق حر هذا الذي يعمل في ظل ضعف الرقابة الفعلية، وتفاوت هائل في الدخول، وغياب كلف شفافة؟ النتيجة ليست تنافساً، بل سباقاً جماعياً نحو رفع الأسعار، حيث يتواطأ الواقع قبل التجار.
حتى ما سُمّي «بـسبر السعر» لمراقبة الفروقات بين المحافظات، والذي تحدث عنه الشوا قائلاً إن الأسعار «مستقرة» ولا توجد «فروقات واضحة»، لا يجيب عن السؤال الجوهري: هل السعر عادل أصلاً؟ الاستقرار على الظلم ليس فضيلة، وتساوي الغلاء بين المحافظات لا يعني أن السوق بخير.
فوضى مُقنَّنة... وضحية واحدة
هذه الفلسفة لم تضبط السوق، بل عزّزت الفوضى السعرية، ومنحت الاستغلال شبه شرعية رسمية باسم «الاقتصاد الحر». والضحية دائماً واحدة؛ المستهلك، الذي يُطلب منه أن يتحمّل الغلاء، ويُقنع نفسه بأن «التنافسية» ستنقذه يوماً ما، بينما واقعه المعيشي يزداد قسوة.
إن الاكتفاء بإعلان السعر، دون تدخل ذكي وحازم يضع هوامش ربح عادلة، ويكسر الاحتكار، ويراعي القدرة الشرائية، ليس سياسة... بل تخلّياً. والسوق الذي يُترك ليفترس أضعف حلقاته لن ينتج إلا مزيداً من الفقر والغضب.
معلومات إضافية
- العدد رقم:
- 1260