سورية بعد عام من سقوط سلطة الأسد... فقراء أكثر، وعدالة أبعد

سورية بعد عام من سقوط سلطة الأسد... فقراء أكثر، وعدالة أبعد

مع بدء العام الجديد، يتجدّد السؤال المؤلم لدى السوريين: ماذا تغيّر فعلاً؟ فبالنسبة لغالبية الناس، لا يمثّل تبدّل السنوات مناسبة للاحتفال بقدر ما هو محطة لمراجعة الخسارات المتراكمة، والآمال المؤجَّلة، والحقوق التي لا تزال بعيدة المنال. فالتقويم يمضي، لكن الحياة اليومية تكاد تكون عالقة في دائرة واحدة من المعاناة والضغط وانعدام اليقين.

آمال بسيطة... لكنها مؤجَّلة


مطالب السوريين اليوم ليست شعارات كبرى ولا مشاريع مثالية. هي حقوق طبيعية وبسيطة... عيش كريم- عمل يضمن الحد الأدنى من الاستقرار- أمان شخصي- وعدالة لا تميّز بين الناس.
ومع ذلك، تبدو هذه المطالب وكأنها أحلام بعيدة، رغم أنها في أي بلد طبيعي تُعدّ من البديهيات.
كثيرون كانوا يأملون أن يشكّل سقوط سلطة الأسد بداية لمسار جديد، أو على الأقل خطوة أولى نحو تخفيف القبضة الثقيلة عن حياة الناس. لكن الواقع اليوم يقول: إن الشعور العام لم يتغيّر كثيراً؛ فالضغوط ذاتها لا تزال حاضرة، والهموم اليومية لم تنحسر، وكأن ما سقط كان واجهة، بينما بقي الجوهر على حاله.


لماذا لم يشعر السوريون بأي تغيير؟


تكمن المعضلة الأساسية في أن سقوط سلطة سياسية لا يعني بالضرورة سقوط النظام كمنظومة. فالنظام ليس شخصاً أو عائلة فحسب، بل شبكة مترابطة من المصالح، والقوانين الجائرة، والعلاقات الزبائنية، والعقليات السلطوية التي ترسّخت عبر عقود. هذه المنظومة لا تزال فاعلة، وتعيد إنتاج نفسها بأشكال مختلفة، حتى بعد تغيّر الوجوه أو الخطاب.
لهذا يشعر السوري اليوم أن ما يعيشه هو استمرار للمنطق نفسه: غياب المحاسبة- انعدام الشفافية- وتقدّم المصالح الضيقة على الصالح العام.
فالتغيير الحقيقي لم يصل إلى مستوى حياة الناس، بل بقي محصوراً في الشكل الذي تطغى عليه البهرجة، بعيداً عن الخبز والكهرباء والدواء والكرامة.


الخلل الأكبر... توزيع الثروة


أكثر ما يفضح بقاء النظام هو الخلل الفادح في توزيع الثروة. فالغالبية المفقَرة، المنهوبة، والمضطهَدة، تعيش اليوم أقسى درجات التقتير والتقشّف والتعتير. أسرٌ كاملة تُصارع يومياً لتأمين أساسيات الحياة، وتُجبر على التنازل عن أبسط حقوقها كي تبقى على قيد العيش.
في المقابل، تعيش قلة قليلة- هي نفسها التي راكمت الثروة عبر النهب والاحتكار والقرب من السلطة- في مستويات صادمة من الترف والبذخ والتبذير. لم تمسّها الأزمات كما مسّت غيرها، بل غالباً ما حوّلت الكوارث إلى فرص، والانهيار إلى أرباح، فيما تُترك الأغلبية لدفع الفاتورة كاملة.
هذه الفجوة ليست قدراً ولا نتيجة طبيعية للحرب فقط، بل ثمرة نظام اقتصادي– اجتماعي جائر، صُمّم لحماية مصالح القلة على حساب الأكثرية. وما لم يُمسّ هذا الخلل من جذوره، فلن يكون لأي تغيير سياسي معنى حقيقي في حياة الناس.


تطبيع الفقر... أخطر من الفقر نفسه


الأخطر من انتشار الفقر هو تطبيعه. أن يُطلب من الناس الصبر بلا أفق، والتكيّف مع الجوع، والتعامل مع التقشّف وكأنه فضيلة، بينما يُمارَس البذخ العلني بلا خجل ولا مساءلة. هنا يتعمّق الإحساس بالظلم، ويترسّخ الشعور بأن البلد لا يُدار لصالح أبنائه، بل ضدهم.
هذا الواقع يولّد غضباً صامتاً، وإحباطاً عميقاً، وشرخاً اجتماعياً خطِراً، لأن العدالة ليست شعوراً معنوياً فقط، بل شرطاً أساسياً للاستقرار. وحين تغيب العدالة، يصبح أي حديث عن بداية جديدة مجرّد كلام مؤجَّل.


الخشية من التجييش الطائفي... معركة الفقراء الخاسرة


إلى جانب الفقر والظلم، تبرز خشية مشروعة لدى الغالبية المفقَرة والمعتَّرة من السوريين: التجييش الطائفي وإعادة زجّهم في معارك ليست في صالحهم، بل يدفعون ثمنها وحدهم. فالتجربة المريرة علّمتهم أن الانقسام الطائفي لم يكن يوماً طريقاً للعدالة أو التحرر، بل أداة فعّالة لإعادة إنتاج السيطرة، وتفريق المظلومين، وإطالة عمر الأزمات.
في كل مرة يُستثار فيها الخطاب الطائفي، يكون الفقراء هم وقوده الأساسي، وهم ضحاياه الأوائل، بينما يتربّع أمراء الحرب والثروة على أنقاض هذا التفرّق، محصّنين بثرواتهم ونفوذهم، بعيداً عن الخسائر البشرية والمعيشية. هكذا تُعاد المعادلة نفسها: دماء من الأسفل، وأرباح في الأعلى.
لذلك، لا تنبع مخاوف السوريين من فراغ، بل من وعيٍ متراكم بأن صراعات الهوية المصطنعة لا تخدم سوى من يريد الهروب من الاستحقاق الحقيقي... العدالة- والمحاسبة- وإعادة بناء الدولة على أسس وطنية جامعة.


حق تقرير المصير...المدخل الحقيقي للخلاص


في هذا السياق، يبرز حق تقرير المصير كأحد أهم الحقوق المشروعة للسوريين، وربما أكثرها إلحاحاً. تقرير المصير هنا لا يعني التقسيم أو الفوضى، بل يعني أن يكون السوريون- بكل غنى تنوّعهم- أصحاب القرار في شكل
دولتهم ونظام حكمهم ومستقبلهم، بعيداً عن الإملاءات، والسلاح، ومنطق الغلبة.
ويُفترض أن يشكّل المؤتمر الوطني العام البوابة الأساسية لهذا الحق، على أن يكون مؤتمراً جامعاً وتمثيلياً حقيقياً للقوى السياسية والمجتمعية، لا واجهة شكلية ولا محاصصة مقنّعة. مؤتمر يضمن فتح نقاش وطني شامل حول إعادة صياغة العقد الاجتماعي، وتحقيق استعادة وحدة البلاد وسيادتها، وحماية كرامة العباد قبل أي شيء آخر.


ما الذي يعنيه التغيير الحقيقي؟


التغيير الحقيقي لا يبدأ بإعلانات سياسية ولا بسقوط رموز فقط، بل بإجراءات ملموسة تمسّ حياة الناس مباشرة:
عدالة اقتصادية حقيقية.
كسر احتكار الثروة والفرص.
محاسبة من راكموا المال على حساب المجتمع.
منع استخدام الطائفية كأداة صراع سياسي.
بناء مؤسسات وطنية تمثيلية تعبّر عن إرادة السوريين.
من دون ذلك، سيبقى سقوط السلطة حدثاً سياسياً معزولاً، لا تحوّلاً اجتماعياً شاملاً. وستظل الغالبية تعيش في دائرة النجاة اليومية، فيما تستمر القلة في حياة الرفاه، وكأن شيئاً لم يتغيّر.


إمّا دولة لكل السوريين... أو لا دولة


لم يعد السوريون يحتملون تأجيلاً جديداً لحقوقهم، ولا إعادة تدويرٍ أخرى للأزمة بأسماء مختلفة. فالتجربة القاسية علّمتهم أن الفقر حين يُقرن بالطائفية، والظلم حين يُغلَّف بالسياسة، يتحوّل الوطن إلى ساحة استنزاف دائمة، لا رابح فيها سوى أمراء الحرب والثروة.
اليوم، يقف السوريون أمام مفترق حاسم... إمّا انتقال حقيقي يضع العدالة الاجتماعية، ووحدة البلاد، وحق تقرير المصير في صدارة الأولويات، أو استمرار في الدوران داخل الحلقة ذاتها، حيث تتغيّر الوجوه وتبقى المعادلات. لا خلاص بلا كسر منظومة النهب، ولا استقرار بلا إنهاء استخدام الطائفية كسلاح، ولا مستقبل بلا إرادة وطنية جامعة تعبّر عن الأغلبية المعترة التي دفعت الثمن الأكبر.
إن المؤتمر الوطني العام، قد يكون الفرصة الأخيرة لإعادة صياغة سورية بوصفها دولة لكل السوريين، لا غنيمة لقلة ولا ساحة صراع بالوكالة. أما تجاهل هذا الاستحقاق، فلن يعني سوى شيء واحد... إطالة عمر المعاناة، وترحيل الانفجار إلى وقت أقرب مما يظنّ كثيرون.

السوريون لا يطلبون المستحيل. يطلبون وطناً سيداً وموحداً لا يُقاتَلون فيه من أجل غيرهم، ولا يُفقَرون فيه ليغتني غيرهم، ولا يُفرَّقون فيه ليبقى غيرهم في السلطة. وهذا، في جوهره، أبسط تعريف للعدالة... وأصدق اختبار لأي مرحلة جديدة.

معلومات إضافية

العدد رقم:
1260