فنادق دمشق... تحليق الأسعار وسط تردي الخدمات وغياب الرقابة... فمن المسؤول؟!
شهدت سورية عموماً والعاصمة دمشق بشكلٍ خاص بعد سقوط السلطة السابقة زيادة نشاط في الحركة السياحية، سواء للسوريين من داخل وخارج سورية ولغير السوريين أيضاً، بالإضافة إلى الفرق الصحفية والوفود الرسمية، لتسجل الفنادق نسب إشغال غير مسبوقة وصلت بين ليلة وضحاها إلى 100% في غالبيتها، وبمختلف تصنيفاتها، لكن كثُرت الشكاوى والانتقادات من النزلاء حول الارتفاع الجنوني للأسعار مقابل تدني مستوى الخدمات التي لا تتناسب مع التكلفة المدفوعة والتصنيف السياحي للفندق، حيث فُسح المجال أكثر للاحتكار والاستغلال، للمغترب السوري قبل الزائر الأجنبي!
فمن المسؤول عن هذه الفوضى الممنهجة وأين هو دور الرقابة؟!
التذرع بغطاء زيادة الطلب
زاد الإقبال وقفزت الأسعار بشكل غير مبرر، حيث وصلت تكلفة الإقامة لليلة واحدة في بعض الفنادق ذات تصنيف (ثلاث وأربع نجوم) إلى أكثر من 300 دولار، وهو رقم يفوق أسعار الإقامة في فنادق دول مجاورة، وحتى في مدن مصنفة وجهة أولى سياحياً مثل دبي.
فاليوم لم تعد تتنافس الفنادق في دمشق على جذب الزوار أو السيّاح (فهي مزدحمة أساساً) بل تحولت إلى سوق تفرض شروطها والتسعير حسب القدرة المالية المتوقعة للنزلاء، وخاصة السوري المغترب العائد لزيارة الأهل أو الأقارب ولا يمتلك مكاناً للإقامة وبحاجة لتوفر خدمات معينة (كالكهرباء والمياه الساخنة والإنترنت) على مدار اليوم، فيلجأ إلى الفنادق لتوفير الحد الأدنى من هذه الخدمات الأساسية، ويتم التسعير له «بالدولار» لكونه قادراً على الدفع أو ما يوازيه بالليرة السورية، بما يتناسب مع تلك الصورة النمطية الجشعة بالنظر إليه «كمحفظة دولارات متنقلة» مستغلين حاجته، أما عن غير السوري «فحدث ولا حرج»!
فجوة التصنيف والخدمات
وزارة السياحة تمنح التصنيفات وفق معايير الجودة والمواصفات والخدمات، ولكن يبدو أنه بمجرد منح هذه التصنيفات تتُرك الفنادق بلا مراجعة أو رقابة دورية، أو حتى الإلزام بإعادة تأهيل منشآتها وتحسين مستوى الخدمات.
فليس من المنطق والعدالة أن يدفع النزلاء أثماناً باهظة لفندق (أربع نجوم) والخدمات لا ترقى إلى منحها أي تصنيف أمام غرف صغيرة وضيقة، أو عدد الأسرّة غير الكافي وانقطاع متكرر للكهرباء والإنترنت، أو عدم توفر المياه بشكل دائم، ناهيك عن النظافة، وحتى المصاعد المتهالكة التي قد تتوقف في أي لحظة.
والأسوأ، الفنادق التي تقدم بعض هذه الخدمات الأساسية (مثل الإنترنت أو الكهرباء بشكل دائم) كميزات إضافية (مالياً)، لا كحقوق خدمية أساسية يجب توافرها، بغض النظر عن التصنيف.
هذا الإهمال والتقصير الرسمي، والاحتيال المؤسسي، يُضعف ثقة الزائر ويعطيه انطباعاً سلبياً لا يحفزه لإعادة التجربة ويشوّه صورة البلد، فالتصنيف هنا لم يعد دليلاً ومعياراً للجودة، بل غطاء شبه رسمي يسمح بهذه الفوضى.
البدائل محدودة ولا تخلو من هامش الاستغلال
دفع هذا الواقع الكثير من الزوار السوريين أو الأجانب للبحث عن بدائل موّفرة، فمنهم من استأجر منازل مفروشة، في حال الإقامة الطويلة وبخدمات محدودة، وبعضهم لجأ إلى «البيت الفندقي» وهو بيت يحوي عدداً من الغرف يتم تأجيرها بشكل مستقل مع منافع مشتركة وبأسعار مقبولة نوعاً ما، لكن هذا لا يلغي عوامل الاستغلال من أصحاب البيوت، فيطلب أسعاراً مُبالغاً فيها، سواء بالدولار أو تحويل التكلفة الدولارية إلى الليرة السورية، أمام جودة المعروض، علماً أن هذا النمط غير مرّخص ولا يخضع لتعليمات وإنما يتم الترويج له عادةً عن طريق المعارف والأصدقاء أو عبر مكاتب وسيطة، أما البعض الأخر فلجأ إلى اختصار الزيارة وتقليص مدة الإقامة، مما يضع الزائر بين فكي كماشة: إما إقامة فندقية بأسعار مرتفعة وخدمات سيئة، أو بيت فندقي غير مرخص وبلا ضمانات، ولا ينفي ذلك هامش الاستغلال في كل الحالات!
ضرورة ملحّة
إن استمرار هذه الفوضى التسعيرية والخدمية ليس مجرد إهمال إداري بل علامات واضحة للحاجة إلى خطة إنقاذ شاملة لقطاع هام في هذه المرحلة، والمسؤولية موجهة لوزارة السياحة بوضع خطة عاجلة، بإعادة تقييم دورية وصارمة مع تفعيل الرقابة الصحية والبيئية والفنية للخدمات الفندقية وسبر جودتها مقارنة بالتصنيف، كذلك ضبط الأسعار لمنع الاحتكار والاستغلال مع تنظيم البدائل وقوننتها.
فمعالجة هذا الواقع ليس ترفاً بل ضرورة لإنقاذ ما تبقى من صورة البلاد بالحد الأدنى، ولا يكفي هنا اعتراف الوزارة بهذا الواقع، كما تحدث معاون وزير السياحة «فرج القشقوش» لصحيفة الثورة بتاريخ 25/12/2025، عن: «الوعي بالتحديات التي تواجه القطاع السياحي والفندقي والخطط والاستراتيجيات التي سيتم العمل عليها لتحقيق التوازن في السوق والارتقاء بالمعايير»، إن لم يقترن هذا الحديث بترجمة فعلية على أرض الواقع.
فالزائر (سوري أو أجنبي- صحفي أو موفد رسمي)، الذي يغضب اليوم مما تعرض له بعد تجربة سيئة في فنادق تركت لديه ذكريات أسوأ، لن يعود لاحقاً، ولن يشجع غيره على ذلك أيضاً!
معلومات إضافية
- العدد رقم:
- 1260
منية سليمان