حين يتحول القرار الحكومي إلى أداة خنق للفلاح واغتيال للأمن الغذائي!
في 27 تشرين الثاني 2025، خرجت وزارة الزراعة بقرار تسعير بذار القمح بـ 500 دولار للطن. قرار يوحي بأنه «تنظيمي»، لكنه في جوهره طعنة جديدة في ظهر الفلاح، وكأن الوزارة تقول له بكل وضوح: لا تزرع... وارفع يدك عن القمح!
ولأن الأرقام لا تكذب، فلنذهب مباشرة إلى الواقع الذي تحاول الوزارة تجاهله:
طن البذار الواحد يكفي لزراعة 33 دونماً، أي إن تكلفة البذار للدونم الواحد تبلغ نحو 15 دولاراً. قد يبدو هذا الرقم بسيطاً، لولا أن كل ما حوله ينفجر من الغلاء.
فالفلاح يدفع للدونم الواحد نحو 10 دولارات للفلاحة، وقرابة 9 دولارات لأجور البذار، وما لا يقل عن 40 دولاراً ثمن أسمدة. أي إن الدونم قبل أن يُسقى، وقبل أن يُرشّ، وقبل أن يُعشب، وقبل أي كارثة طبيعية أو قلة أمطار، يكلف الفلاح ما يقارب 75 دولاراً بالحد الأدنى.
هذا الرقم مجرد «الحد الأدنى الورقي»، بينما الفلاحون يؤكدون أن التكلفة الواقعية- مع السقاية والمبيدات والعلاجات والتعشيب والصيانة- تتراوح بين 90 و100 دولاراً للدونم الواحد، وقد ترتفع بسهولة مع أي طارئ بسيط. أي إن الدونم يدخل الموسم وهو محمّل بأعباء لا تنتهي، بينما الوزارة تتعامل معه وكأنه مشروع ربحي مضمون!
والآن إلى الكارثة الكبرى... العائد.
إذا كان الموسم جيداً- ولنقل جيداً فقط- بمتوسط 400 كغ للدونم، فهذا يعني أن عائد الدونم هو 160 دولاراً فقط، لأن الوزارة تستلم القمح بـ 400 دولار للطن؛ أي أقل من سعر البذار نفسه، وأقل من المنطق الزراعي، وأقل حتى من الحد الأدنى لكرامة المزارع.
عندما تُطرح هذه الأرقام على الميزان، يتضح أن الفلاح يربح بالكاد 60 إلى 70 دولاراً للدونم في أفضل الأحوال، وقبل احتساب المبيدات والسقاية والتعشيب، وقبل احتساب أي طارئ، وقبل حساب تعبه وتكاليف معيشته مع أسرته خلال مدة الموسم الممتدة إلى 6 أشهر، وقبل أن يضطر لانتظار ثلاثة أشهر في طوابير المصرف الزراعي للحصول على جزء من أبسط حقوقه.
أي ربح هذا؟ وأي اقتصاد؟
إنه ربح كاذب، أشبه بصفعة على وجه كل من يتمسّك بالأرض.
فلاح قالها بوضوح موجع: «بهالتسعيرة وزارة الزراعة عم تقلّنا: لا تزرعوا قمح».
وهذا ليس كلاماً عابراً، بل صرخة من قلب الأرض.
من غير المقبول- لا وطنياً ولا اقتصادياً ولا أخلاقياً- أن تستلم الدولة محاصيل الفلاحين بأسعار هزيلة، ثم تعود لتبيعهم البذار وكأنها تمنّ عليهم بصدقة. الفلاح ليس شحاذاً عند أبواب الوزارة. الفلاح هو عمود الأمن الغذائي، ورأس مال هذا البلد الزراعي، وركن لا يجوز العبث به.
السياسة الزراعية الحالية ليست فاشلة فقط؛ إنها مُهينة، مُحبِطة، وطاردة للفلاح.
والنتيجة الطبيعية واضحة... المساحات المزروعة بالقمح ستنخفض بشكل مخيف هذا العام.
كيف لا؟ فالموسم الماضي كان ضعيفاً والفلاح لم يسترد حتى تكلفة إنتاجه.
والآن تأتي الوزارة لتكمل عليه بتسعيرة تجعل زراعة القمح مخاطرة خاسرة قبل أن تبدأ.
إن القمح ليس محصولاً عادياً. إنه محصول استراتيجي، مرتبط بالأمن الغذائي بشكل مباشر. اللعب بأسعاره هو لعب بسلامة البلد، واستسهال لانهيار أهم ركائز الاقتصاد الوطني.
فعندما يُترك الفلاح وحده، فإن البلد كلّه يبقى بلا سند.
وحين يُضحّى بمحصول استراتيجي مثل القمح بهذه الطريقة، فإننا لا نخسر موسماً... بل نخسر جزءاً من مستقبلنا.
الوزارة مطالبة بمراجعة سياستها، والاعتراف بأن ما تفعله ليس ابتلاعاً للدعم فقط، بل اغتيالاً للقطاع الزراعي.
وإن لم تفعل، فلتكن صريحة وتعلنها... السوق الحر التنافسي وحده هو الكافي... لا نريد قمحاً... ولا نريد فلاحين... ولا نريد أمناً غذائياً!
معلومات إضافية
- العدد رقم:
- 1254