«القرض الحسن» اسم جذاب بجوهر قديم لم يلامس الواقع يوماً!
أعلنت وزارة الزراعة بتاريخ 16/11/2025 عن إطلاق مشروع «القرض الحسن» لدعم مزارعي القمح، خطوة وصفت بالإيجابية على المستوى الرسمي تحت عنوان: النهوض بالإنتاج الزراعي ودعم الأمن الغذائي دون فوائد على الفلاح.
لكن خلف هذا العنوان البرّاق والتداعيات التي تتحدث عن الجهود الحكومية الحثيثة لسد الفجوة بين الإنتاج والاستهلاك وإنقاذ محصول استراتيجي تدهور الموسم الفائت، يختبئ واقع قاسٍ لدعمٍ محدودٍ وشروط تعجيزية إلى بيروقراطية خانقة، ما يجعل منه شكلاً لإعادة إنتاج السياسات القديمة لتكريس انسحاب الدولة من فكرة «الدعم الحكومي» للزراعة وغيرها من القطاعات.
والنتيجة، فلاحٌ مفقرٌ يُترك لمصيره تحت رحمة حيتان الأسواق وتجار القطاع الخاص وسماسرته!
عينيٌّ ومحدود
أوضح وزير الزراعة، المهندس «أمجد بدر» أن المشروع يقوم على منح المزارعين قرضاً عينياً بلا فوائد، يشمل كميات البذار والأسمدة الفوسفاتية والآزوتية اللازمة، وذلك من خلال توفير التمويل الميّسر للمزارعين وتأمين مستلزمات الإنتاج الأساسية، لكن ماذا عن تجاهلها باقي المستلزمات كالمازوت، المبيدات وتكاليف الري وأجور النقل، أهذه لا تدخل ضمن قائمة مستلزمات الإنتاج الأساسية حسب الرؤية الوزارية الضبابية؟!
فتجزئة الدعم هنا تعني استمرار معاناة الفلاح في مواجهة عواصف الأسعار الهوجاء تماشياً مع سياسة تحرير السوق دون حسيب أو رقيب وفق معادلة التسعير بالدولار لضمان مضاعفة أرباح كبار التجار والموردين.
وبذلك يمكن اعتبار أن هذا «القرض الحسن» قد سُخر لضمان أرباح التاجر لا الفلاح!
شروط إقصاء!
على المزارعين الراغبين بالاستفادة من «القرض الحسن»، تقديم وثيقة ملكية تثبت حيازة الأرض وصلاحيتها للزراعة وهي وثيقة التنظيم الزراعي، وفي حال تعذر توفرها يُقبل بدلاً عنها «الكشف الحسي» الصادر عن مديرية الزراعة مع كفيلين بملاءة مالية مقبولة أو كفالة عقارية، كما يُلزم المزارع بتوقيع عقد قرض عيني يتعهد فيه بصحة المعلومات المقدمة والتعاون مع لجان الكشف والمتابعة.
يبدو أن الوزارة منفصلة عن الواقع وعن المشكلات التي ستواجه الفلاح مع بطء إجراءات الترخيص الزراعي لشرط بيان المساحة وإخراج القيد العقاري وغيره، الأمر الذي يستنزف وقتاً طويلاً لا يتناسب مع ضيق موسم بدء الزراعة، بالإضافة إلى التعامل الفردي مع الوحدات الإرشادية بدلاً من الجمعيات التعاونية كجهات جامعة وممثلة للفلاحين، ما يضاعف العمل الورقي ويؤخر الإجراءات.
ناهيك عن تأخر الإعلان عن بدء التسجيل على القرض، مما أثر على الموسم الزراعي الشتوي، وضيق الفترة الزمنية المخصصة للتسجيل المحددة بـ(10 أيام)، كما صعوبة الحصول على الكفلاء كضمانة أساسية في ظل غياب البدائل الأكثر مرونة، وعدم اعتماد محصول القمح كضمانة للحصول على القرض «الحسن»، كل هذه المعيقات بدّدت قدرة عدد كبير من الفلاحين على الاستفادة منه.
حصره بالأرضي المروية
أما الشرط الذي فجر غضب الفلاحين فهو حصر القرض بالأراضي المروية دون شمول البعلية منها، والتي تشكل جزءاً أساسياً من الإنتاج على المستوى الوطني، ما يجعل القرض غير كافٍ لتغطية الاحتياجات الحقيقية مع فروقات أسعار مستلزمات الإنتاج.
لا شك أنها مساعٍ وزارية جادة (متعوب على دراستها) لتشجيع الفلاح، الذي بات يصرخ قائلاً: «اتركُ أرضي بوراً ومرعى للأغنام ولا أستمر بالخسارة!»
تغيير شكلي لا جوهري
رغم أن القرض بلا فوائد لكنه لا يختلف عن سابقه سوى في التسمية، مع غياب الدعم الفعلي، الذي من المفترض أن يشمل جميع مستلزمات العملية الزراعية، وعلية يكون مجرد حملة دعائية للحكومة الجديدة، علماً أن هذه الخطوة اقتصرت على محصول القمح دون غيره من المحاصيل الاستراتيجية وكأنها أقل أهمية، ما يكرس سياسة التخلي الكامل للدولة عن دعمها للإنتاج الزراعي ككل.
سياسات كانت وما زالت تنهش جسد الأمن الغذائي وتهدد الصناعات الزراعية التي تعتمد هذه المحاصيل كمادة أولية وتضع الاقتصاد الوطني على المحك لمواجهة أزمات مضاعفة، لتزداد معاناة الفلاح مع ضعف الإنتاج وليسلب ارتفاع الأسعار جيب المستهلك المفقر، فيما تتراجع قدرة البلاد على تحقيق الاكتفاء الذاتي.
الحاجة إلى نتائج لا شعارات
ما يريده الفلاح والمستهلك، إعادة الدعم لكل مستلزمات الإنتاج لضمان محاصيل وفيرة تصل إلى حد الاكتفاء والتصدير، كما تدعي الوزارة في جهودها، وبنوعية جيدة وأسعار عادلة، فآلية الإقراض الحالية (العينية والمحدودة والمجتزأة) تتطلب إعادة النظر الكلي بها، وخاصة من خلال اعتماد إجراءات أكثر واقعية تتناسب مع ظروف الفلاحين، مع صيغ ضمانات مرنة تشمل الضمانات الجماعية عبر الجمعيات التعاونية وتبسيط الوثائق المطلوبة، على أن تكون معممة لتشمل كل الإنتاج الزراعي، وخاصة المحاصيل الاستراتيجية، بما يضمن نجاح العملية الزراعية واستدامة الإنتاج الزراعي ودعم الأمن الغذائي الوطني.
وإلا سيبقى هذا القرض «الحسن» مجرد إعلان سياسي لا يُترجم لنتائج ملموسة، وعنوان جديد لإنهاء دور الدولة في دعم الزراعة التي تعد ركيزة أساسية ليس للغذاء فقط، بل للاقتصاد بأكمله.
فمتى تنتهي السياسات المجحفة التي يدفع ثمنها المفقرون وحدهم؟!
معلومات إضافية
- العدد رقم:
- 1254
رهف ونوس