قطاع الدواجن على حافة الانهيار... والسياسات تُكرر المُكرَر
فرح شرف فرح شرف

قطاع الدواجن على حافة الانهيار... والسياسات تُكرر المُكرَر

تتردد على الألسنة الحكومية والمسؤولين عبارات تؤكد أهمية حماية الإنتاج المحلي ودعمه، إلا أن الواقع غالباً ما يكشف عن ممارسات وسياسات تُفضي في نهاية المطاف إلى تدمير وإنهاء أي فرصة للنهوض بالمنتج المحلي.

وعند اعتراض المنتجين أو الصناعيين وحتى المواطنين على أيٍّ من تلك السياسات، يكون الجواب دائماً مزيداً من تحرير الأسواق، فالحل، حسب ما وصفه المستشار السابق لوزير الاقتصاد والصناعة مازن ديروان، لا يكون بمنع الاستيراد أو فرض قيود على السوق.


سياسات متناقضة


بدا قرار الوزارة في منتصف آب الماضي بإيقاف استيراد اللحوم المجمدة تنظيمياً ويهدف إلى حماية الإنتاج المحلي وضمان سلامة المستهلك، إلا أنها عادت في 23 من أيلول وعدلت القرار مما أتاح لمصانع اللحوم استيراد دجاج التسمين المجمد، بحجة دعم الصناعات الغذائية.
هذا القرار الذي يخدم معامل المرتديلا، والذي يبدو في ظاهره آلية لضبط الأسعار أو سد فجوة في الإنتاج، يقوّض في جوهره المنتج المحلي ويدفعه نحو التراجع. كما يتفاقم الوضع سوءاً مع غياب الرقابة، خاصة في ظل استمرار السياسات الانتقائية. حيث تقوم العديد من المصانع باستغلال هذا «الاستثناء» وتبيع الدجاج للمطاعم محققة أرباحاً هائلة على حساب المربين المحليين الذين يتكبدون في المقابل خسائر فادحة.


ارتفاع تكاليف الإنتاج


يواجه المربون تكلفة إنتاج عالية، تصل إلى 1,71 دولاراً للكيلوغرام الواحد، تتضافر في تضخيمها عدة عوامل؛ في مقدمتها سعر طن العلف الذي يبلغ 550 دولاراً، ويمتد ليشمل أسعار الطاقة، فيصل سعر برميل المازوت إلى 180 دولاراً، ومن المرجح أن ترتفع هذه التكلفة في فصل الشتاء، بالإضافة إلى تكاليف الرعاية الصحية والوقائية، حيث يحتاج الصوص الواحد 0,27 دولاراً.
في المقابل، يلحظ المستهلك انخفاضاً في أسعار الدجاج، يزيد من قدرته الشرائية ويحسن فرص حصوله على مصادر غذاء أساسية، حيث اضطر المنتجون إلى البيع بأسعار منخفضة، فسجّل سعر الكيلو المقطع للمستهلك انخفاضاً بنحو 8 آلاف ليرة.
إلا أن هذا الوضع الذي يفضّل تدفق السلع المستوردة على حساب دعم الإنتاج المحلي، خلق حلقة مفرغة من عدم الاستقرار، فبينما يفرح المواطن قليلاً بانخفاض سعر سلعة ما، قد يجد نفسه غداً أمام نقص في المعروض أو ارتفاع جنوني للأسعار نتيجة لخروج المربين من السوق بسبب الخسائر المتتالية.


الدور المشتت للدولة


يمثل قطاع الدواجن مرآة تعكس التناقضات العميقة للسياسات الاقتصادية، فتحت غطاء دعم الصناعات الغذائية، يُسحَب البساط من تحت صغار المنتجين، ويقدَّم السوق لقلّة تتمتع بنفوذ سياسي واقتصادي كبير يسمح لها بالتحكم في سلاسل الإمداد.
ما يعكس أزمة الرؤية الاقتصادية، من غياب الشفافية والرقابة، وانعدام المشاركة الفعالة مع الجهات المتأثرة، حيث تصبح السياسات، حتى وإن كانت نصوصها سليمة، مجرد حبر على ورق، ويتحول القطاع بالتالي إلى ساحة البقاء فيها للأقوى أو الأكثر قدرة على المناورة.


إعادة هيكلة


تحول الحديث اليوم من سبل تطوير القطاع، إلى إنقاذه من الانهيار الشامل، حيث لا يكمن الحل في إغلاق السوق أمام الاستيراد أو الانفتاح غير المنضبط. بل لا بد من إعادة تنظيم علاقة الدولة بالقطاع على أسس واضحة، تتمثل في فرض رقابة صارمة، من القاعدة إلى القمة، وعلى مراحل الإنتاج والتصنيع كافة. ويتضمن ذلك لجاناً رقابية تضم ممثلين عن المربين أنفسهم، ما يضمن تمثيلاً أوسع للقطاع ويسمح لهم بالمساهمة في صياغة وتطبيق المعايير.
وضبط عمليات الاستيراد التي ما زالت تفتقر إلى الشفافية، وربطها بخطة تنمية حقيقية، يُحدَد عبرها مخصصات محددة للمصانع. بالإضافة إلى تقديم دعم مباشر للطاقة ومدخلات الإنتاج.
يتطلب إنقاذ القطاع إعادة نظر جذرية في النموذج الاقتصادي والسياسي القائم، ما يعني بالضرورة أيضاً ربط السياسات الزراعية والصناعية بالسياسات الاجتماعية، لما يشكله قطاع الدواجن من شبكة أمان اجتماعي، يعمل فيها ما يزيد عن مليون سوري بشكل مباشر وغير مباشر، باتوا اليوم مهددين بخسارة مصدر رزقهم الوحيد.

معلومات إضافية

العدد رقم:
1254