مدن الأشباح لن يضبطها الذكاء!
سوسن عجيب سوسن عجيب

مدن الأشباح لن يضبطها الذكاء!

باتت العاصمة خلال يومي الجمعة والسبت وكأنها مدينة أشباح، ازدحام للمواطنين على بعض الطرقات، مع غياب شبه تام لوسائل المواصلات.

فقد تم اللجوء إلى إقرار عدم تزويد السرافيس العاملة على خطوط المواصلات في دمشق بالمازوت، خلال يوم السبت، بسبب تخفيض مخصصات المحافظة من المادة بنسبة 30%، وذلك بحسب الإعلان الرسمي للمحافظة.
فيوم السبت بدون مخصصات، وبالتالي بدون مواصلات، هو إضافة الى يوم الجمعة الذي سبق أن تم إقرار عدم تزويد وسائط الموصلات خلاله بمخصصات المازوت أيضاً.
والواقع العملي خلال يومي الجمعة والسبت أصبح عبارة عن مزيد من الازدحام على الطرقات، مع ندرة في وسائط المواصلات، فالأمر لم يقتصر على غياب السرافيس فقط، بل مع تسجيل قلة في عدد التكاسي العاملة بسبب التأخر في رسائل البنزين أيضاً، والأمر ليس محصوراً بالعاصمة فقط، بل وفي كل المحافظات والمدن، حيث أصبحت جميعها مدن أشباح!

يومان بلا مواصلات رسمياً

عضو المكتب التنفيذي لقطاع النقل والمواصلات في المحافظة مازن دباس، وفي تصريح لصحيفة الوطن بتاريخ 9/6/2022 قال: «المحافظة قررت عدم تزويد السرافيس بالمادة يوم السبت إضافة إلى الجمعة، بدلاً من تخفيض النسبة أو الكميات بشكل يومي، معتبراً أن هذا التوجه أفضل، ولا سيما أنه يشهد يوم عطلة رسمية، لتبقى الكميات اليومية على مدار الأسبوع كما هي من دون أي تغيير، بمعدل 30 ليتراً كل يوم للسرفيس (11 راكباً) و40 ليتراً للآليات (20 راكباً)».
بالتوازي مع ذلك، قال عضو المكتب التنفيذي أنه: «سيتم تعويض المواطنين بباصات النقل الداخلي على مدار الساعة، وذلك خلال يوم السبت، سواء عبر باصات النقل الداخلي وعددها 90 باصاً، إضافة إلى باصات القطاع الخاص، علماً أن العدد الإجمالي للباصات نحو 200 باص نقل داخلي».
من الناحية العملية، فقد سقط يوم الجمعة من حسابات التزويد بالمازوت لوسائط المواصلات بشكل نهائي، وعلى ما يبدو أن يوم السبت تبعه في ذلك، بذريعة اعتباره يوم عطلة رسمية، علماً أن باصات النقل الداخلي العاملة غير كافية لسد الحاجة الفعلية للمواصلات خلال يوم السبت، وأنه يوم دوام وعمل بالنسبة للكثير من المعامل والورش والأعمال والخدمات في القطاع الخاص.

لغز السوق السوداء

لا شك أن حسن إدارة المتوفر من المشتقات النفطية في ظل الحديث عن قلة التوريدات أمر مفروغ منه ومطلوب، لكن الملفت هو استمرار توفر هذه المشتقات في السوق السوداء!
فما جرى ويجري عملياً مع كل إعلان عن قلة التوريدات في المشتقات النفطية ترتفع أسعارها في السوق السوداء، مع بقاء توفرها بالكميات مهما كانت!
فقد وصل سعر ليتر المازوت في السوق السوداء إلى أكثر من 4500 ليرة، وسعر ليتر البنزين إلى 6000 ليرة، وما زال الحديث عن مصدر هذه الكميات في السوق السوداء لُغزاً كبيراً غير مكتشف رسمياً!

أجهزة المراقبة الذكية

المتهمون في تزويد السوق السوداء بكميات من المشتقات النفطية- غالباً بحسب الرسميين- هم نفسهم أصحاب السرافيس والتكاسي من مخصصاتهم المدعومة التي من المفترض أن يتم استخدامها في الخدمة العامة، ومع عدم نفي المسؤولية عن البعض من هؤلاء طبعاً، لكن البعض الآخر باتوا يلجؤون إلى السوق السوداء من أجل الاستمرار في عملهم، كي يؤمنوا حدّ الكفاف المعيشي لأسرهم، وليبقى اللغز مستمراً!
ومع ذلك فقد تم الإعلان من قبل محافظة دمشق أنها بدأت تجريب عمل جهاز GPS وقامت بتركيبه على عدد من البولمانات في مراكز الانطلاق وعدد من السرافيس وباصات النقل الداخلي، وعدد من آليات محافظة دمشق.
وبحسب عضو المكتب التنفيذي لقطاع النقل والمواصلات في محافظة دمشق في تصريح لإذاعة نينار إف إم بتاريخ 9/6/2022: «نحن بانتظار الشركة المعنية لتسليمنا الأجهزة، بحسب عدد وسائل النقل التي أوردناها لهم، وهي في المراحل الأخيرة، ويتوقع خلال هذا الأسبوع أن يتم الانتهاء من العدد، لنقوم مباشرة بتركيب الأجهزة».

جباية ومنتفعين أشباح

الأجهزة الذكية لها مهام عديدة، فبحسب عضو المكتب التنفيذي: «جهاز الـGPS مربوط على بطاقة المازوت الخاصة بصاحب السرفيس، فإن لم يعمل بعد تعبئة مخصصاته نتيجة عطل ما أو خلل بالآلية أو لسبب ما، لا يمكنه تعبئة مخصصاته في اليوم التالي، وهذا الأمر يضبط عملية سرقة مخصصات مادة المازوت.. يمكننا عبر الجهاز مراقبة سرعة السرافيس ووسائل النقل، فحين يتم تجاوز الحد المعين من السرعة المسموحة في المنطقة التي يقود بها يتم مباشرة احتساب مخالفة من قبل فرع المرور».
فالجهاز الذكي بالإضافة لكونه أداة لمراقبة حسن التصرف بمخصصات المازوت، وهو أمر مطلوب لا شك، هو وسيلة لضبط تجاوز السرعة والمخالفة عليها أيضاً.
بقي أن نشير إلى أن الغائب من الحديث أعلاه هو سعر هذا الجهاز الذكي، وتكاليف التركيب والصيانة اللاحقة له، والتي ستجبى من جيوب أصحاب وسائل المواصلات، وبالتالي من جيوب المواطنين عملياً!
أما الغائب الأكبر فهو المحظي، أي «الشركة المعنية» بحسب تصريح عضو المكتب التنفيذي أعلاه، التي ستعمل على تسليم الأجهزة للمحافظة بحسب عدد وسائل النقل التي أوردتها لها، مع العلم أن نجاح التجربة في دمشق سيتبعها تعميمها على بقية المحافظات، بحسب ما رشح عن المشروع سابقاً.
لتظهر النتيجة وكأن الأمر برمته لا علاقة له بموضوع الرقابة على حركة وسائل المواصلات والتصرف بالمازوت المخصص للمواصلات، بقدر الحرص على ما سيتم جبايته من الجيوب، سواء لمصلحة المحافظة أو المرور، أو لمصلحة الشركة الموردة للأجهزة الذكية!
ولتستمر أزمة المواصلات والمشتقات النفطية والسوق السوداء دون حلول بالنتيجة، ولتضاف الشركة الموردة للأجهزة الذكية كشبح غير معلن عنه وعن أرباحه الكبيرة، كلُغز مضاف إلى الأشباح المجهولة التي تزود السوق السوداء بالمشتقات النفطية، وتستفيد منها بجني أرباح خيالية مرقومة منها أيضاً!

معلومات إضافية

العدد رقم:
1074
آخر تعديل على الأحد, 12 حزيران/يونيو 2022 23:50