اللاعنف في المدارس.. استخراج الماء من الجمر
عمار سليم عمار سليم

اللاعنف في المدارس.. استخراج الماء من الجمر

في كل شهر أو شهرين تفاجئ وزارة التربية المواطنين بنشاطاتها اللامعة، فهي لم تنقطع عن التنسيق بين مختلف المنظمات الدولية والمحلية، والغاية منها أمران أساسيان، وهما استجداء هذه المنظمات للإنفاق على التعليم، هذا إن تم إنفاقها على التعليم، والأمر الآخر هو تغطية تخلي الحكومة والوزارة عن هذه المسؤولية، وتجييرها على المجتمع الأهلي وهذه المنظمات.

وآخر هذه اللقاءات كانت مع مؤسسة (نساء قادة) في الثاني من شهر آذار الجاري، حيث ورد الخبر على صفحة التربوية السورية، ومنه ما يلي: «التقى اليوم وزير التربية الدكتور دارم طباع رئيس مجلس الأمناء في مؤسسة نساء قادة هزار النوري، وأعضاء مجلس الأمناء؛ لإرساء مبادئ اللاعنف في المدارس، حيث أكد الوزير طباع أن الوزارة تعمل على ملف اللاعنف، وهو ضمن أولوياتها؛ من خلال تطوير المهارات الحياتية، وبناء شخصية الأبناء وتقدير الذات، والتواصل والتفاوض، والتفكير الناقد، بالإضافة إلى تطبيق المهارات الحياتية في مجال القانون..».
كما عقد مديرو التربية في المحافظات اجتماعات وورشات عمل عن مكافحة العنف في المدارس، من خلال توجيههم إلى التوعية والنشاطات المختلفة التي تهدف إلى ما مكافحة العنف.
ولنا أن نسأل المعنيين في هذا المجال، هل حاولوا أن يتقصوا أسباب العنف الذي يسود المجتمع بأسره، ومنه المدرسة، والوقوف عند أسباب تفشيه، ومعالجة الأسباب الحقيقية التي تقف خلفه؟
طبعاً هم غير معنيين إلا بطرح العنوان، ثم بعدها بعقد الاجتماعات الشكلية، والتي تنفذ مخرجاتها أيضا بشكل صوري، كالذي يعالج الأعراض ولا يتصدى لمعالجة المرض الذي يسبب الأعراض والنتائج!

العنف لا يولد إلا العنف

عندما نأتي إلى مدرسة مع معلميها، ثم نطلب منهم أساليب تربوية غير عنيفة، والابتعاد عن العنف بكل أشكاله تجاههم، فعلينا أن ندرك أن المدرسة عينة من أطياف وأسر ومجتمع كبير تسوده هذه الظاهرة الخطيرة.
فلا يمكن منطقياً أن يعيش الطلاب والمعلمون على السواء في بيئة اجتماعية يسودها العنف بكل أشكاله، ثم يأتون إلى المدرسة فتتلاشى هذه الظاهرة داخل جدران المدرسة!
فظاهرة العنف في المدارس هي امتداد وصورة لحالة عنف يتولد عن عنف أشمل في تفاصيل الحياة كلها!

الواقع الاقتصادي والعنف

الواقع الاقتصادي والمعيشي المتردي في المجتمع السوري عموماً هو أساس كل أمراض المجتمع، بما في ذلك ظاهرة العنف.
فالأبدان المتعبة المنهكة من ضغط المعيشة والعمل، والواقع الخدمي بالغ السوء من كهرباء ومواصلات وماء واتصالات و..، هذه الأبدان والنفوس لن تكون مستعدة لحل المشكلات ببنية عصبية ونفسية سليمة، وستكون الأسرة بالنتيجة عرضة للصدام والعنف، يبدأ من رب الأسرة وينتهي بالأطفال الذين يكتسبونه من المنزل، وكذلك في كل البيئات والبنى الاجتماعية الأخرى، عمل- مدارس- نوادي- مشجعين..
فتلبية الحاجات المادية والروحية للأفراد هي أول عامل من عوامل مكافحة العنف، إذ إن العنف الاقتصادي والمعيشي والخدمي الذي تمارسه الحكومة وحيتان الفساد تجاه المجتمع كفيل بأن يشحن المجتمع بأسره بغضب وعنف كامن، يعبر عنه كل فرد بصورة عنيفة تجاه الآخر.
فالطلاب والمعلمون والإداريون هم من أولئك المعرضين للعنف الاقتصادي والمعيشي بشكل يومي، حالهم كحال بقية الأفراد من الشرائح الاجتماعية الأخرى.
ولو سردنا أشكال العنف التي تمارسها وزارة التربية على المعلمين، مثلاً، وكل العاملين في وزارة التربية، نكاد لا ننتهي من هذا المقال، ونكتفي بالضغوطات والواجبات الملقاة على عاتقهم، وارتفاع وتيرة المحاسبة، وطبعاً كل ذلك بلا أجور!
فلا يصح أن نسمي الراتب الذي يلبي 5% من الحاجات الأساسية أجوراً.

أمثلة ملموسة

فكم هم المعلمون الذين اتخذت بحقهم إجراءات نقل وحسم من الراتب لأسباب كيدية، أو من شكوى صغيرة من الأهالي، لتلميع صورة عمل الوزارة أمام الناس، وكم حدث أن داهمت جولات التفتيش أبواب الصفوف وقامت بتقريع المدرس أمام التلاميذ دون إبراز بطاقاتهم، والوزارة على علم بهذا السلوك الفج، اللاأخلاقي، كل تلك الممارسات العنيفة تجاه المعلمين تضاف إلى تعرضهم لعنف الواقع المعيشي الذي تمارسه السياسات الحكومة تجاههم، وهي كفيلة بأن تجعل العنف كامناً في دواخلهم، وأن ينفجر في لحظات إرهاقهم أمام الطلاب، وهؤلاء بدورهم أيضاً يعبرون بعنف تجاه أقرانهم ومعلميهم.
فالعنف السائد والمتفشي في المجتمع هو ليس ظاهرة مسببة للأضرار، بل هو نتيجة لمجموعة أعلى من العنف تمارس على افراده جميعاً، وإذا لم تتغير السياسات القائمة على الإفقار والانحياز إلى الطبقة الناهبة وحيتان الفساد في البلاد فلن يجدي اجتماع في وزارة، وتعليمات منع الضرب في المدارس بوقف تفشي العنف، بل السبيل الوحيد هو تجفيف منابعه كما ذكرنا آنفاً.

تأثير الحرب في سورية على سلوك الأطفال

لاشك أن الحرب والنزاعات المسلحة التي جرت في البلاد، وحوادث القتل والاعتقال ومشاهد الدماء على الشاشات، أثرت تأثيراً كبيراً على نفوس الأطفال والمراهقين بشكل خاص، وجعلت منهم جيلاً يعتمد على السلوك العنيف لإثبات وجوده، وهذا يتطلب عملاً طويلاً وجاداً لإخراج الأجيال إلى مرحلة مستقرة مادياً ونفسياً وروحياً ليتمكنوا من تغيير سلوكياتهم، ذات الطابع النفسي والجذر الاقتصادي المعيشي، الذي يتجه إلى العنف.
لنخلص إلى أن اجتثاث العنف من المدارس، ومن المجتمع عموماً، لا يمكن إلا ببناء مجتمع مستقر، مادياً وصحياً ونفسياً وروحياً، وهذا لا يكون إلا بدءاً بتغيير جملة السياسات المنحازة والعنفية، تغييراً جذرياً وعميقاً وشاملاً.

الغاية الأولى اللمعة الإعلامية فقط

ورد في الشهر الماضي على صفحة التربوية السورية «بدء تدريب فرق عمل من الصحة المدرسية للقيام بجلسات تثقيفية حول الصحة الإنجابية والعنف القائم على النوع الاجتماعي في المدارس، وأكد وزير التربية الدكتور دارم الطباع أهمية هذا العمل في بدء مرحلة جديدة ومهمة لتوعية المجتمع خاصة للمراهقين حول الصحة الإنجابية وهي مفاهيم تؤثر على حياة الشباب والشابات ومستقبلهم».
لا نعلم كيف تم دمج موضوع العنف حسب النوع الاجتماعي مع الصحة الإنجابية، وما صلته به بشكل مباشر!
وهل البنية الاجتماعية والثقافية الحالية للأطفال والمراهقين في المدارس مهيّأة لطرح مثل هذه المواضيع العميقة، وربما المترابطة بشكل أو بآخر؟
لا نعتقد إلا أنها ستثير جدلاً واسعاً وهرجاً، وستزيد الطين بلة في ظل هذا الواقع الاقتصادي والمعيشي والاجتماعي والثقافي المتردي، ولكن لا بد للوزارة أن تخرج بصورة النشيط الخلّاق أمام الإعلام، وفي مواقع التواصل، على ما يبدو!

معلومات إضافية

العدد رقم:
1061
آخر تعديل على الإثنين, 14 آذار/مارس 2022 10:21