تطوير المناهج.. اجتماعات غير تطويرية
عمار سليم عمار سليم

تطوير المناهج.. اجتماعات غير تطويرية

منذ ما يزيد عن عشر سنوات يُبدع المعنيون في تطوير المناهج بعقد الاجتماعات، وطرح المقترحات العلمية والتكنولوجية والتربوية، ويجمعون أعداداً من المتخصصين لتطوير مناهج وطرائق التعليم، بما يتناسب مع «مستلزمات العصر الحديث»، واستمر تطوير المناهج إلى الآن، مع إطلاق المنصات الإلكترونية التربوية.

ورد مؤخراً عبر الصفحة الرسمية لوزارة التربية، أن مجلس إدارة المركز الوطني لتطوير المناهج التربوية عُقد بحضور وزير التربية، حيث «ناقش المجلس ما نفّذ خلال الربع الثاني من العام الحالي في مجالات التأليف والتدريب والتعلم عن بعد، والاختبارات والبحوث والدراسات والأدلة التربوية المختلفة»، إضافة «لمناقشة خطة المركز للربع الثالث لهذا العام، وما نفذ من ميزانيته، ومناقشة تعديل أسس منح مكافآت التأليف والتقويم المختلفة، والرؤية المستقبلية لعمله».
لا شك أن تطوير التعليم وطرائقه ضرورة وطنية واجتماعية، لأنه لا يمكن أن تقف بلد على قدميها دون أن يتسلح أبناؤها بمستوى علمي ومعرفي وتكنولوجي يحقق أسس التنمية للنهوض بالبلاد، ولكن بعد هذه المسيرة من التطوير في المناهج والمؤلفات والطرائق نتساءل: ماذا حصدنا من النتائج، وما الذي لمسناه على أرض الواقع وفي الميدان التعليمي؟

التعليم والمناهج في الحلقة الأولى

لا يشك أحد من الناس، من المتخصصين أو غيرهم، أن المرحلة الأهم في التعليم هي الصف الأول والثاني والثالث، وهي المرحلة التي تؤسس للمراحل التي بعدها، ولكن ما جرى خلال تحديث المناهج أن المستوى التعليمي انخفض انخفاضاً مخيفاً، وقد أشرنا إلى بعض ذلك في مواد سابقة في قاسيون تحت عنوان «مناهج ممنهجة لحرف البوصلة 1+2» بتاريخ 23/11/2020 وتاريخ 1/3/2021 على التوالي، ومادة أخرى بعنوان «الأميّة نبتٌ خبيثٌ يجب مكافحته» بتاريخ 27/1/2019، وغيرها من المواد المنشورة عبر قاسيون، مع الأخذ بعين الاعتبار كل ما ورد عبر وسائل الإعلام الأخرى، ومن خلال الأخصائيين، حول نفس الفكرة.
فقد ارتفعت نسب الأمية إلى حد الـ50% في أغلب المدارس، وعندما نقول أمية، فهذا خطر كبير فيما إذا كان في مؤسسة تعليمية، وأشرنا كذلك إلى أن ما يزيد على نسبة 70% من الطلاب لا يستطيعون القراءة والكتابة بلغتهم الأم، اللغة العربية، وإن كانوا يستطيعون القراءة والكتابة فهم بمرحلة من الضعف تحول بينهم وبين فهم ما هو مكتوب في كتبهم المدرسية، وهنا يمكن أن نحصر الأسباب: فإما أن يكون الخلل موجوداً في المادة العلمية في الكتب أو طريقة عرضها، أو أن يكون الخلل في الوسائل التي يمكن تنفيذ تعليم المناهج من خلاها، والتي هي مفقودة على كل الأحوال، أو أن يكون المعلمون الذين ينفذون العملية التعليمية غير مهيئين لطرح هذه المناهج للطلاب، ولهم مبرراتهم الكثيرة، وهم غير مغيبين عن هذه الأسباب.
ففي وسائل التواصل الاجتماعي، ومن خلال الشكوى التي ترد إلى مراكز التطوير وموجهي المواد، توضع بين أيديهم هذه المعيقات، ولكن دون أية نتيجة! وهذه المشكلات تشمل اللغات وغيرها من المواد، كالرياضيات والعلوم.

هل تكاملت عناصر التعليم؟

التعلّم عملية معقدة، خاصة بالنسبة للأطفال، ولابد من استكمال عناصرها حتى تتم بنجاح وبنتائج مفيدة، وهي لا تتوقف عند المناهج فقط، ولكنها هي المرحلة الأهم في عملية التعليم، فعليها يبني المعلم طرائقه وخططه، وهي التي تحدد الكم والكيف في طرح المادة العلمية بين أيدي الطلاب، ولكن ما فائدة وجود المناهج المطورة دون أدواتها ودون شروط تنفيذها، من مدارس وصفوف تحوي أعداداً مناسبة من الطلاب والتلاميذ، ووجود كادر كاف متخصص، وتوفر وسائل تساعد على تناولها؟

مليارات ونفقات مهدورة!

مع كل عملية تعديل للمناهج تُرصد المليارات من الليرات، نفقات للطباعة والإخراج والتدقيق والتأليف و.. وقد يتم في العام التالي تعديل الكتاب نفسه تعديلاً بسيطاً في بعض الأسئلة والعناوين فقط، فيعاد طبع الكتاب بنسخته الجديدة وبنفقات جديدة، والتي كان يمكن أن تستدرك بهامش زمني إضافي قليل لدراسته وتدقيقه جدياً قبل الطباعة، أما عن المحتوى فبعض الكتب التي تمت طباعتها أثبتت عدم جدواها تعليمياً بالنسبة للطلاب، وكانت مصدر سخط بالنسبة للمدرسين المتخصصين، وهذه تجربة لمسناها خلال أكثر من عشر سنوات.
فما هو الجديد عند مجلس إدارة المركز الوطني لتطوير المناهج التربوية؟

اللغات تأخذ نصيبها من التعديل..

ما ورد في صفحة الوزارة، أنه «تم تعديل سلاسل تعلم اللغات الأجنبية، وذكر أن سلاسل اللغات الأجنبية التي كانت تشتريها الوزارة سابقاً بأسعار غالية أصبحت تنجز محلياً، وتمكنت خبرات المدرسين والموجهين في المركز والميدان، وبالتعاون مع جامعة دمشق التي قيّمت الكتب، من إنجاز أول سلاسل للغات الأجنبية»، وبغض النظر عن مضمون هذه السلاسل، يجدر الذكر بأن تعلم اللغات بشكل عام يحتاج إلى أدوات خاصة ووسائل خاصة تساعد المتعلمين على اكتساب هذه اللغة، ومن أهمها: المخابر اللغوية، والأجهزة السمعية التي لم نرها أبداً في مدارسنا، رغم كل التعديلات السابقة لكتب اللغة الأجنبية.

انفصام أسلوب الاختبارات عن مناهج المدرسة

إن اعتبرنا أن تلك المناهج أثبتت جدواها في التعليم، فهذا سوف يذهب أدراج الرياح إذا لم يتم اختبار الطلاب بالشكل الصحيح، حيث أصبح تبسيط السؤال وسطحيته هي الأساس أحياناً في اختبار الطلاب وتقييمهم، وأصبح الطلاب، وخاصة في مرحلتي الشهادة العامة، الحلقة الثانية والثانوية العامة، يركزون على أنماط معروفة من الأسئلة من شأنها أن تختصر ثلاثة أرباع الكتاب المدرسي، ولكم أن تلاحظوا ذلك من خلال متابعة أسئلة السنوات السابقة، كيف أن المستوى ينحدر شيئاً فشيئاً تجاه التبسيط والتسهيل، إلى حد السطحية أحياناً!

كلهم مستفيدون إلّا الطلاب!

ما يمكن تلخيصه من مخرجات هذه الجلسة، أنها «لمناقشة خطة المركز للربع الثالث لهذا العام، وما نفذ من ميزانيته ومناقشة تعديل أسس منح مكافآت التأليف والتقويم المختلفة»، والتي تصب عملياً في جيوب المستفيدين مادياً من تعديل المناهج، وكان الأحرى لو كانت هذه النفقات موجهة لأولويات التعليم، من ترميم للمدارس وتجهيزات وقرطاسية، بدلاً من أن تصرف على تردي التعليم، كما سجلت التجارب حتى الآن!

معلومات إضافية

العدد رقم:
1025