البنزين.. أزمات متتالية وسوق سوداء منفلتة
عاصي اسماعيل عاصي اسماعيل

البنزين.. أزمات متتالية وسوق سوداء منفلتة

يقضي أصحاب السيارات ساعات طويلة من الانتظار في الطوابير من أجل الحصول على مادة البنزين، لكن ذلك ليس كافياً، فربما لن يحصل هؤلاء على حصتهم المحددة من المادة، بحسب الذكاء، بسبب نفاذ الكمية في الكازية، ليضطروا بالاستمرار بالوقوف في الطابور إلى حين قدوم الدفعة التالية من المادة، وذلك يعني ساعات إضافية مفتوحة، أو الذهاب والقدوم في اليوم التالي للوقوف في طابور الانتظار الطويل مجدداً، أو اللجوء للسوق السوداء، التي لم تنقطع عنها المادة.

الأزمة الحالية على مادة البنزين، وبغض النظر عن أسبابها، أسقطت كل ادعاءات دور الذكاء وأهميته على مستوى رقابة وضبط توزيع وبيع المادة، فها هي السوق السوداء تنشط بشكل كبير على المادة، على أعين الجميع، وعلى حساب الحاجة، ومن جيوب المواطنين طبعاً.

سوابق مسجلة

ليست المرة الأولى التي تتفاقم فيها أزمة البنزين، فقد سبقتها أزمات مشابهة خلال السنوات الماضية، جرى تبريرها بالعقوبات والحصار غالباً، وقد صدرت على إثرها قرارات وتعليمات توجت باعتماد الذكاء، وذلك لضبط توزيع وبيع المادة (التي كانت مدعومة سعراً بشكل كامل) وللحد من نشاط ودور السوق السوداء للمادة، التي يزداد نشاطها على هامش وفي عمق الأزمات المتتالية، وما ينطبق على مادة البنزين بهذا الشأن ينطبق على بقية المحروقات والمشتقات النفطية عموماً.
الأزمات المتتالية فسحت المجال لتخفيض الدعم السعري على المادة، عبر اعتماد شرائح استهلاك بحسب نوع الآلية وسعة محركها، وصولاً لتحديد سقوف شهرية للاستهلاك مع تحديد عدد مرات التعبئة، كما ترافق ذلك برفع سعر المادة، مع تشريح سعري إضافي بحسب نوع المادة ومواصفاتها، بين المدعوم والحر، وطبعاً كل ذلك بالاعتماد على تقنيات الذكاء.

تبريرات عديدة وتدابير غير مجدية

الأزمة الحالية بدأت في بعض المحافظات، وما لبثت أن شملتها جميعاً، أما التبريرات فقد قدمت عبر عدة روايات رسمية، بدأت بتزايد النشاط السياحي الداخلي، ومرت على صيانة مصفاة بانياس، ووصلت إلى الاعتراف بنقص المخزون المقترن بانتظار وصول التوريدات الجديدة.
وقد ترافقت الأزمة الحالية أيضاً بعدة إجراءات، منها: إعادة تحديد كميات التعبئة وعددها خلال الشهر، بتخفيض الأولى وزيادة الثانية، ما يعني زيادة عدد زيارات الكازيات شهرياً لكل آلية، وبالتالي زيادة الطوابير والازدحام.
أي، إن الإجراء المتخذ ساهم بشكل مباشر في تعزيز تداعيات الأزمة بدلاً من حلها، وبالتالي فسح المجال لتنشيط عمل السوق السوداء وزيادة حصتها من النهب استغلالاً لحاجات الاستهلاك.

نشاط أسود منقطع النظير

نشطت السوق السوداء على هامش الأزمة الحالية طبعاً كما كل مرة، مع الأخذ بعين الاعتبار أنها لم تتوقف ولا للحظة طيلة السنوات الماضية، لكن بنسب ودرجات متفاوتة، واللافت، أن المادة في هذه السوق دائماً متوفرة وبالكميات الكافية لتغطية كل النقص في السوق الرسمية عبر الكازيات.
أما كيف، ومن أين، وبإدارة من، ولمصلحة من؟ فهذا بعلم الغيب، وأولي الأمر من الفاسدين وشبكاتهم العاملة طبعاً.
فالمادة محصورة ومراقبة ومتابعة عبر «الذكاء» من قبل شركة محروقات والوزارة خلفها افتراضاً، بالإضافة لمسؤوليات بقية الجهات الحكومية المعنية بالرقابة على الأسواق والسلع والمواد ومتابعتها، وضبط المخالف منها ومحاسبته.
وقد تفاوتت أسعار المادة في السوق السوداء بحسب المكان والزمان ودرجة الاضطرار، حيث تراوح سعر ليتر البنزين في هذه السوق بين 1000 ليرة و١٣٠٠ ليرة في البداية، وفي بعض الأحيان تجاوز ١٥٠٠ ليرة وصولاً إلى 2000 ليرة في بعض المناطق، ولا أحد يعلم إلى أين يمكن أن يصل السعر استغلالاً وفساداً في هذه السوق المنفلتة، التي لا تعاني من أزمة توفر الكميات فيها، كما هو الحال في السوق الرسمية وعبر الكازيات المرخصة، العامة والخاصة.

كوميديا سوداء

بعض التبريرات فيما يتعلق بالسوق السوداء على المادة، والكميات المتوفرة بها كان مضحكاً، حيث جرى تجيير هذه الكميات بأنها على أيدي بعض سائقي التكاسي، ومن مخصصاتهم المحسوبة على البطاقة صاحبة الذكاء.
فمع عدم نفي لجوء البعض لذلك، لكن واقع الحال يقول: إن التكاسي العاملة أصلاً لا تكفيها مخصصات البطاقة الشهرية، وتلجأ للتعبئة بالسعر الحر للاستمرار بعملها بوردياتها المعتادة باعتبارها مصدر رزق لأصحابها والعاملين عليها، كي تؤمن لهؤلاء دخلاً يسد رمقهم مع أسرهم، لكن أن يتم تبرير وجود السوق السوداء من خلالهم، وبهذا الحجم الكبير من الكميات، فهذا نوع من التهرب من المسؤولية أولاً، وشكل من أشكال التغطية على الشبكات العاملة بهذه السوق، سواء في الأزمة الحالية أو قبلها وبعدها.
أما الأكثر مدعاة للضحك، أنه بدلاً من العمل على منع السوق السوداء التي تعمل بعمق الأزمات وكشف شبكاتها العاملة والمستفيدين منها، تم اللجوء إلى بعض التوجيهات التي لا تقدم أو تؤخر على جوهر الأزمة، وذلك بالحديث عن فرض عقوبات بحق من يتجاوز دوره في طوابير الانتظار، في الوقت الذي يعلم مُصدّر هذه التوجيهات، أن هذه العقوبات لن تطال المتجاوزين المستقوين بمواقعهم ونفوذهم، على حساب الوقت المهدور من حساب المنتظرين والمنضبطين في الطوابير!.

المليارات وشراء الذمم

ربما لا بد من الإشارة إلى أن السوق السوداء على المادة، وفي ظل هذه الهوامش الاستغلالية الكبيرة، تحقق أرباحاً كبيرة من حساب وجيوب المستهلكين للمادة، وفي جيوب شبكات الفساد والاستغلال العاملة فيها.
فكل ليتر بنزين خلال الأزمة الحالية يحقق أرباحاً صافية للعاملين في هذه الشبكات تتجاوز الـ1000 ليرة، ولكم أن تتخيلوا المبالغ المتراكمة استغلالاً وتحكماً من خلال هذه السوق المنفلتة على طول البلاد وعرضها، فلا شك أنها بمئات الملايين، إن لم نقل بالمليارات، وذلك ارتباطاً بالمدى الزمني المرتقب لحل الأزمة، والذي ما زال مفتوحاً حتى الآن!.
في المقابل، لا بد من الإشارة إلى أن شبكات الاستغلال والفساد المتحكمة في السوق السوداء للمادة من مصلحتها استمرار الأزمة، بل وتفاقمها، للحصول على هذه الأرباح المليارية وزيادتها، ولا مانع طبعاً من توسيع وتعميق عمل هذه الشبكات طالما تحقق تلك الأرباح المرقومة القادرة على شراء الكثير من الذمم، فلا ذكاء قيّدها، ولا رقابة منعتها، ولا ضبط طالها، حتى الآن!.
ولا أحد يدري إلى متى ستبقى الأعين الرسمية غافلة عن عمل هذه السوق ومن خلفها من الفاسدين، الكبار والصغار، وهل هي غافلة فعلاً؟!.

مقدمات ونتائج متوقعة

البعض بدأ يتحدث عن نية رسمية مبيّتة لرفع سعر مادة البنزين، وذلك على ضوء التجارب السابقة مع الأزمات التي طالت هذه المادة، وما تلاها من قرارات سعرية، واجراءات تشريحية لكميات التعبئة وعددها، وبحسب نوعية المادة ومواصفتها، بما في ذلك تخفيض الدعم عليها.
وبعيداً عن الخوض في السياسات المعتمدة والمعمول بها، بجوهرها الليبرالي، التي تسير على قدم وساق نحو المزيد من تخفيض نسب الدعم، ومعدلات الإنفاق العام السنوي تباعاً.
فالمقدمات أصبحت مكتملة الأركان، اعتباراً من مبررات إعادة دراسة التكاليف، ربطاً مع متغيرات سعر الصرف الرسمي باعتبار المادة مستوردة بجزء كبير منها، مروراً بذرائع العقوبات والحصار التي تعني تكاليف إضافية، وليس آخراً بالقبول بالسعر المرتفع للمادة بعد الاضطرار لتسديده عبر السوق السوداء خلال الأزمة الحالية، لتأمين الحاجة الفعلية للاستهلاك، وهرباً من تداعيات هدر الوقت والجهد على طوابير الانتظار الطويلة.
مع الأخذ بعين الاعتبار، أن التجارب السابقة تقول أيضاً: إن الموضوع السعري بهذا الشأن لن يقتصر على مادة البنزين فقط، بل يشمل عادة كل المشتقات النفطية، وما يليها طبعاً على مستوى الطاقة الكهربائية، مع ما يعنيه ذلك من سلسلة طويلة لرفع الأسعار تطال كافة السلع والمواد والخدمات، أي، مزيد من التدهور المعيشي والإفقار العام.

معلومات إضافية

العدد رقم:
983
آخر تعديل على الإثنين, 14 أيلول/سبتمبر 2020 12:50