زيادة تدفق القطع من جيوب المفقرين أيضاً!؟
عاصي اسماعيل عاصي اسماعيل

زيادة تدفق القطع من جيوب المفقرين أيضاً!؟

يبدو أن الحكومة استنفدت إمكانات تعزيز وزيادة القطع الأجنبي في خزائنها من المصادر المتعارف عليها لتدفق هذا القطع، بدليل لجوئها أخيراً إلى إصدار قرار بفرض تصريف 100 دولار أمريكي، أو ما يعادلها، إلى الليرات السورية، على المواطنين السوريين عند دخولهم الأراضي السورية.

لكن القرار الصادر تلقى موجة واسعة من الاعتراضات من قبل المواطنين، كما جرى تفنيده مع وضع بعض الملاحظات عليه من قبل بعض الأخصائيين الحقوقيين والقانونيين والاقتصاديين.
فهل استنفدت الحكومة مصادر تدفق القطع فعلاً؟

تساؤلات برسم الحكومة عن مصادر القطع

من المتعارف عليه أن المصادر الأساسية للقطع الأجنبي التي تتحصل عليه الخزينة العامة يمكن تبويبها وفقاً للمصادر الرئيسة التالية:
القطع الناتج عن صادرات الجهات العامة، باعتبار أن صادرات القطاع الخاص لا تدخل الخزينة.
تحويلات المستثمرين الأجانب.
حصص الشركاء الأجانب في المصارف الخاصة السورية، ومبالغ اكتتاباتهم على أسهم زيادة رأس المال.
الإيرادات من الرسوم القنصلية ورسوم جوازات السفر.
بدلات إعفاء السوريين المغتربين من الخدمة العسكرية.
الحوالات النقدية من المغتربين السوريين.
والأسئلة التي تفرض نفسها بهذا الصدد:
هل استنفدت الحكومة ممكنات المصادر كافة أعلاه؟
هل استنفدت الحكومة إمكانات السيطرة على تذبذب سعر الصرف، وعلى دور المضاربين الكبار بهذا المجال؟
ما الذي فعلته الحكومة حتى الآن بخصوص تعزيز مواردها مما هو متاح بهذا الخصوص، وخاصة على مستوى دعم الإنتاج (الصناعي- الزراعي- الحرفي) المرتبط بالتصدير؟

الاعتراضات مستمرة والرد الرسمي خارج السياق

تستمر موجة الاعتراضات والتذمر على القرار الحكومي الخاص بفرض تصريف100 دولار أمريكي، أو ما يعادلها إلى الليرات السورية- وفقاً لنشرة أسعار صرف الجمارك والطيران- على المواطنين السوريين، وذلك عند دخولهم الأراضي السورية.
وقد ظهرت موجة الاعتراضات والتذمر على صفحات التواصل الاجتماعي، كما وردت عبر بعض وسائل الإعلام المرئي والمسموع والمقروء، تضمنت بعضها آراء بعض الأخصائيين بالمجال الحقوقي والقانوني والاقتصادي.
أما الرد الرسمي على الاعتراضات فقد أتى على لسان وزير المالية، الذي أجاب اختصاراً عبر الفضائية السورية، بأن «القادر على السفر لديه الأموال اللازمة لذلك»!، الأمر الذي اعتبره البعض ذريعة غير منطقية، بل وفيها الكثير من الظلم والإجحاف، وخاصة بالنسبة للمفقرين.

شامل من غير استثناءات

الاعتراض والتذمر الشعبي على مضمون القرار كان بخصوص شموله كافة الشرائح الاجتماعية من السوريين، بغض النظر عن وضعهم المادي والاقتصادي وطبيعة عملهم، خاصة وأن غالبية العاملين بأجر من السوريين الموجودين في الخارج بالكاد يستطيعون تأمين متطلبات معيشتهم، وتحديداً في الفترة الراهنة التي تراكبت فيها الأزمات الاقتصادية مع تداعيات مرض الكورونا التي شملت جميع الدول، حيث انعكست هذه وتلك على هؤلاء بشكل سلبي، على أعمالهم ومستوى معيشتهم، فالاستثناءات الموثقة بمضمونه شملت من هم دون 18 عاماً من السوريين، بالإضافة إلى سائقي الشاحنات والسيارات العامة، فقط.
أما الشرائح الأكثر تضرراً من مضمون القرار فيمكن تبويبها وفقاً للتالي: (العاملون بأجر في لبنان- الطلاب الذين يتابعون تعليمهم في الخارج- مراجعو السفارات في لبنان وذووهم- المرضى وذووهم)، حيث لم يلحظ القرار- المعمم على كافة الشرائح الاجتماعية من السوريين- الانعكاسات السلبية لهذا القرار على هذه الشرائح المفقرة بغالبيتها.

تساؤلات مشروعة وتخبط متوقع

لن نخوض بالتفنيدات القانونية على مضمون وحيثيات القرار من قبل بعض الحقوقيين، لكن سنعيد بعض التساؤلات المشروعة حيال ذلك، والتي أوردها بعض المحامين عن المؤيد الجزائي للقرار بحال امتنع أحد المواطنين عن صرف المائة دولار، أو كان لا يملك هكذا مبلغ؟
وما هي الإجراءات التي ستتخذ بحق مثل هؤلاء؟ هل ستكون بمنعهم من دخول الأراضي السورية، وإجبارهم على العودة من حيث أتوا؟ أم هل سيتم توقيفهم بعد تنظيم ضبط بحقهم ليصار إلى ملاحقتهم قضائياً لاحقاً؟
حيث لم يرد بمتن القرار ما يشير إلى تغطية الجانب الجزائي تنفيذاً لمضمونه، كما لم يوضح وزير المالية هذا الجانب خلال حديثه عن القرار عبر الفضائية السورية أيضاً، ما يعني أن الأمر سوف يترك بتصرف وعهدة القائمين على المنافذ الحدودية، أي: سيدفع هؤلاء إلى التخبط والارتجال ربما!

بكل اختصار

بعيداً عن تكرار الحديث عن تفصيلات الواقع الاقتصادي (الإنتاجي والخدمي والمعيشي و..) وتداعياته السلبية وخاصة على المفقرين، يمكن القول: إنه من الواضح أن السياسات الحكومية، المحابية لمصالح حيتان المال والفساد والاستغلال والمضاربة والاحتكار، تعمل على تعزيز وتكبير حجم حصة هؤلاء وما زالت، بما في ذلك من خلال عمليات الاستيراد المستنزف للقطع على حساب الإنتاج والتصدير، وذلك طبعاً بما يحقق مصالح هذه الشريحة، على حساب المفقرين، كما على حساب الاقتصاد الوطني والمصلحة الوطنية، ليأتي القرار المعمم أعلاه على كافة الشرائح الاجتماعية، ويصب بالاتجاه نفسه أيضاً، ضاغطاً على المفقرين ومستنزفاً لجيوبهم.
فهل أصبحت الحكومة عاجزة تماماً أمام هؤلاء الحيتان ومصالحهم، بحيث لا تظهر قوتها إلا على المفقرين من السوريين داخلاً وخارجاً؟

معلومات إضافية

العدد رقم:
974
آخر تعديل على الإثنين, 13 تموز/يوليو 2020 14:44