السرطان.. 60% وفيات بالمقارنة مع الإصابات
عاصي اسماعيل عاصي اسماعيل

السرطان.. 60% وفيات بالمقارنة مع الإصابات

تزايدت أعداد مرضى السرطان خلال السنين الأخيرة وتزايدت معاناتهم، وهذه المعاناة ليست وليدة الأزمة الحالية المرتبطة بوباء الكورونا، بل كانت مستمرة طيلة سنوات الحرب والأزمة، كما أنها ليست السبب الوحيد في هذه المعاناة أيضاً، فهي قديمة ومزمنة مما قبل سنوات الحرب وأزمتها وتداعياتها.

يعاني هؤلاء المرضى حالياً من تداعيات مرضهم وآلامهم، إضافة لمعاناة الحجر والإغلاق ومشقات منع التنقل بين المحافظات استناداً للتعليمات المرتبطة بالإجراءات الاحترازية والوقائية بسبب الوباء المستجد، ناهيك عن التكاليف المرتفعة لقاء الاضطرار لهذا التنقل، والتي زادت أضعافاً الآن.

مبادرة فردية بعيدة عن الأضواء

ظهرت خلال السنين الماضية العديد من المبادرات الفردية الصادقة بنتيجة ظروف الحرب والأزمة وتداعياتها، والظروف الناشئة والصعوبات التي يواجهها مرضى السرطان حالياً لم تكن خارج سياق مثل هذه المبادرات.
فقد أعلن أحد المحامين «مازن القاسمي» من مدينة حمص، عبر صفحته الشخصية على فيسبوك بتاريخ 25/3/2020، عن مبادرة ذاتية إيجابية، وفق ما يلي:
«بعد إيقاف وسائل النقل العامة بين المحافظات بسبب الحيطة من انتشار فايروس كورونا، وكونه لا يوجد سوى مشفى وحيد في دمشق وآخر في اللاذقية للعلاج الشعاعي لمرضى الأورام، وخشية على مرضى الأورام من إيقاف علاجهم الذي بدأوا به، ولمنع استغلال المرضى غير القادرين على تحمل جشع (بعض وليس كل) سائقي الأجرة حيث أصبح الطلب كبيراً على سيارات الأجرة، وضعت نفسي بدءاً من اليوم الأربعاء 25 آذار 2020 لخدمة مرضى السرطان الذين بدأوا بالمعالجة الشعاعية في مشفى البيروني في دمشق، وذلك للذين لا يملكون وسيلة نقل.. أو ليس لديهم القدرة على تحمل نفقات السفر.. وذلك بنقلهم من منزلهم من حمص ضمن أي حي من أحياء حمص إلى مشفى البيروني/المواساة، ومرافقتهم في جلسة المعالجة وإعادتهم إلى منزلهم».
وقد باشر بتنفيذ مبادرته مع التقدير طبعاً، بعد أن لجأ إليه العديد من المرضى، مع العلم أن مبادرة هذا المحامي لم تلق الصدى وتسليط الأضواء عليها، ربما كونها ليست باباً للتكسب أو للشهرة، كما هو حال بعض المبادرات التي تذاع أخبارها مع «التطبيل والتزمير» لها، بل هي تعب ونفقة ومسؤولية معاً.

تسهيلات رسمية قاصرة

بعد مضي فترة ليست بالقصيرة على الإجراءات الاحترازية وقطع الطرقات، قدمت الحكومة بعض التسهيلات لمرضى السرطان في محافظة الحسكة فقط!.
فقد ورد على صفحتها بتاريخ 31/3/2020 ما يلي:
«بغية تقديم التسهيلات اللازمة للإخوة المواطنين وتأمين احتياجاتهم في ظل الإجراءات الاحترازية والتدابير الوقائية المتخذة للوقاية من فيروس كورونا، قامت الجهات المعنية في الحسكة بتقديم كافة التسهيلات لمرضى السرطان في المحافظة وتلبية متطلباتهم للسفر من الحسكة إلى دمشق لتلقي العلاج وأخذ الجرعات الطبية المقررة لهم في مواعيدها المحددة، وتم تكليف مديرية الصحة بتأمين سفر مرضى السرطان إلى دمشق للعلاج وخاصة من يحتاج إلى تلقي جرعات كيماوية، حيث يمكن للراغبين في السفر إلى دمشق لتلقي العلاج مراجعة مديرية الصحة لتسجيل أسمائهم. كما وافقت الجهات المعنية على السماح بتسجيل اسم مرافق واحد مع كل مريض للسفر معه، مع اتخاذ كافة التدابير الوقائية للمرضى ومرافقيهم وتعقيم الحافلات التي تقلهم من مخاطر فيروس كورونا أثناء السفر. ويأتي هذا الإجراء استجابة لطلبات مرضى السرطان في المحافظة ممن يحتاجون لمتابعة العلاج في المستشفيات الموجودة في العاصمة دمشق، منعاً لأية مخاطر صحية يمكن أن يتعرضوا لها نتيجة لعدم تلقي العلاج وأخذ الجرعات المقررة لهم من جراء منع السفر والتنقل بين المحافظات في إطار الإجراءات الاحترازية لمواجهة فيروس كورونا المستجد».
لا شك أن هذا الإجراء والتوجيه إيجابي، لكنه محدود وقاصر!.
فماذا بشأن المرضى في بقية المحافظات التي لا تتوفر فيها مراكز علاج أيضاً، وخاصة العلاج الشعاعي؟.

ست محافظات مخدّمة جزئياً فقط

الواقع يقول: إن مراكز الرعاية والعلاج المتخصصة بمرض السرطان غير متوفرة في كافة المحافظات، وذلك يعتبر مشكلة قديمة ومستمرة في التوزيع الجغرافي لمراكز العلاج، وهي عبارة عن خلل بنيوي مرتبط بتباين مستويات التنمية بين المحافظات، والتمييز بينها، وانعدام العدالة والتوازن بهذا المجال، حاله كحال بقية المجالات والقطاعات.
فالمراكز العشر التي تخدّم مرضى السرطان مجاناً في وزارة الصحة تتوزع بين الهيئة العامة لمشفى دمشق ومشفى ابن النفيس ومجمع ابن رشد الطبي في حلب والهيئة العامة لمشفى حماة الوطني ومشفى زيد الشريطي في السويداء والباسل في طرطوس إضافة لأربعة مراكز تخصصية في حمص، بالإضافة طبعاً لمشفى البيروني المركزي، أي في ست محافظات فقط من أصل 14 محافظة.
وهذه المراكز تؤمن العلاج المجاني الكيميائي والجراحي لمرضى الأورام، بينما يتوفر العلاج الشعاعي عبر مشفيي البيروني وتشرين الجامعيين فقط.
يضاف إلى ما سبق، أن التجهيزات ومستلزمات العلاج والأدوية والكادر الطبي تعتبر غير كافية بما يتناسب مع الأعداد المتزايدة من المرضى.
وبرغم الحديث الرسمي عن كتلة الإنفاق السنوي الكبير على هذا المرض، إلا أن الواقع يقول: إن أوجه النهب والفساد ليست بعيدة عنه، وخاصة على مستوى جرعات العلاج الكيميائي التي يتم تهريب جزء منها لتباع عبر أقنية السوق السوداء بمبالغ خيالية، مع عدم تغييب أشكال المحسوبية والوساطة والتمييز بين المرضى، اعتباراً من القبول وليس انتهاءً بالعلاج والاستشفاء.

بيانات وأرقام عن كفاءة النظام الصحي

حذرت منظمة الصحة العالمية بتاريخ 4 شباط الفائت، بمناسبة اليوم العالمي للسرطان الذي يصادف نفس التاريخ من كل عام، من أن: «معدلات الإصابة بالسرطان في العالم قد ترتفع بنسبة 60% على مدار العشرين عاماً القادمة ما لم يتم تعزيز العناية بالسرطان في البلدان منخفضة ومتوسطة الدخل. وقالت وكالة الصحة الأممية: إن أقل من 15% من هذه الدول تقدم خدمات شاملة لعلاج السرطان من خلال أنظمتها الصحية العامة، مقارنة بأكثر من 90% من نظرائها الأكثر ثراء».
وفي تقريرها لعام 2020 أوردت منظمة الصحة العالمية البيانات التالية عن سورية:
إجمالي التعداد السكاني لعام 2019 كان: /17,070,132/ نسمة.
إجمالي تعداد حالات الإصابة بالسرطان بكافة أنواعه في عام 2018 كان /23,170/ حالة.
إجمالي تعداد حالات الوفاة بسبب الإصابة بالسرطان بكافة أنواعه في عام 2018 كان /14,042/ حالة.
لا شك أن الأرقام السابقة ومؤشراتها تعتبر مرعبة، فقد تجاوزت نسبة الوفيات 60% بالمقارنة مع الإصابات خلال عام 2018.
ومن المؤشرات المعتمدة وفقاً لمنظمة الصحة العالمية تعبيراً عن كفاءة النظام الصحي لأي بلد، يمكن أن نورد المقارنة التالية بما يخص عدد أجهزة العلاج الإشعاعي الخاص بمرضى السرطان قياساً بتعداد السكان، وفقاً للأرقام الرسمية من منظومة الصحة العالمية:
ففي سورية يبلغ 0,32 لكل مليون شخص، بينما في إيران يبلغ 0,85 لكل مليون شخص، بينما في إيطاليا يبلغ 6,41 جهاز لكل مليون شخص، أي ثمانية أضعاف بالمقارنة مع إيران، وعشرون ضعفاً بالمقارنة مع سورية.
الواقع والأرقام والمعطيات والمؤشرات أعلاه تعطينا فكرة عن كفاءة النظام الصحي في سورية، والذي تم تقييمه بالمنخفض وفقاً لمنظمة الصحة العالمية.
فهل ستستمر الحكومة بسياساتها التقشفية والتمييزية، وستبقى مكتوفة الأيدي أمام الاستحقاقات الصحية الراهنة والمستقبلية، متذرعة بالحرب والأزمة والحصار والعقوبات إلى ما شاء الله، على حساب صحة المواطنين، وأمانهم الصحي؟.

سقوف الإمكانات الذاتية

بالعودة للمبادرة الفردية أعلاه، فهي لا شك هامة جداً لترميم جزء يسير ومحدود من الفجوة الكبيرة التي لم يتم تداركها رسمياً بعد صدور تعليمات الحظر ووقف وسائل النقل بين المحافظات.
بالمقابل، لا يمكن أن ننفي أن مثل هذه المبادرات الفردية تحول دون استمرارها الكثير من السقوف بالنتيجة، وذلك لارتباطها أولاً وآخراً بالإمكانات والجهد الفرديين فقط، فلكل طاقاته وإمكاناته ومقدرته المحدودة والمستنزفة بالنهاية.
فبتاريخ 3/4/2020، وبعد أكثر من أسبوع على مبادرته المنفذة على أرض الواقع، أورد المحامي على صفحته ما يلي:
«52 مريض لهذه اللحظة+ المرافقين .. بين أشعة وجرعات.. لم أستطع الاعتذار من أي مريض.. استنزفت كل طاقتي الجسدية والفكرية».
ويضيف: «المبادرة فعلاً تحتاج مؤسسة وليس فرد واحد... يساعده سائق واحد لقيادة المركبة الثانية.. لو كان بالإمكان أن أقود مركبتين بوقت واحد لفعلت».
ويختم مع عبارة: «لا يكلف الله نفساً إلا وسعها».
بدورنا لا يسعنا إلا نقدر عالياً مبادرة المحامي الفردية، المسقوفة بالإمكانات الذاتية.

معلومات إضافية

العدد رقم:
960
آخر تعديل على الإثنين, 11 أيار 2020 13:53