المخابز.. قرارات تشويش أم توجيه

المخابز.. قرارات تشويش أم توجيه

تتتالى قرارات وزارة التجارة الداخلية وحماية المستهلك بشأن مادة الخبز، والتصريحات الرسمية المرتبطة بهذا العنوان، علماً أن مضمونها لا يحمل جديداً على مستوى المهام والتعليمات الخاصة بهذا الشأن، كما أن نتائجها لم تسفر عن تغيير إيجابي يذكر.

فقد صدر مؤخراً قرارٌ يقضي بتحديد ساعة بدء العجن بكافة المخابز الخاصة والمخابز العامة العاملة بنظام الإشراف الساعة الخامسة صباحاً، وبحسب صفحة المؤسسة السورية للمخابز: «حددت بداية عمل كوادر المخابر الساعة الخامسة صباحاً، بحيث يبدأ البيع من الساعة السابعة صباحاً حتى انتهاء المخصص اليومي من الخبز».
توضيحات
في توضيح لاحق حول القرار فقد بين مدير عام السورية للمخابز عبر إحدى الصحف المحلية: «أن القرار الجديد الصادر من التموين حول منع المخابز من العمل والبيع من منتصف الليل وحتى الخامسة صباحاً يستهدف المخابز الخاصة بالدرجة الأولى، مؤكداً أن القرار جاء ليمنع أية حالات تلاعب وسرقة لمادة الطحين».
كما ورد توضيح إضافي من قبل السورية للمخابز موجه لكافة الفروع، بأن: «تطبيق قرار الوزارة بساعة بدء عمل المخابز تحت الإشراف يكون بالتنسيق مع لجنة التعليمات في محافظتكم»، وذلك بحسب ما ورد عبر الصفحة الخاصة بالمؤسسة، أي إن المخابز الاحتياطية تم استثناؤها من مضمون القرار أعلاه، وتم تجيير تحديد ساعات العمل الخاصة بها على لجان التعليمات في المحافظات.
تكرار وتشويش
حيثيات القرار تظهر وكأنها جديدة، كما تظهر وكأن المخابز كانت تعمل من تلقاء نفسها فتحاً وإغلاقاً، بعيداً عن أية رقابة أو متابعة أو تعليمات، علماً أن التعليمات الناظمة لعمل المخابز تفرض سلفاً على كل مخبز أن يضع لوحة تعريفية على واجهة كل منها تتضمن (اسم الفرن- اسم المستثمر- المخصصات اليومية من الدقيق- ساعة بدء الإنتاج- ساعة الانتهاء...) بالإضافة إلى تعليمات أخرى تتعلق بمسك السجلات اللازمة لضمان سير العملية الإنتاجية ومراقبتها، وغيرها من التعليمات الأخرى المرتبطة بالمواصفة والوزن والسعر.
وجميع هذه التعليمات، بما في ذلك تحديد بدء ساعة الإنتاج والانتهاء، من المفترض أنها محددة بالتنسيق مع الجهات التموينية ومتابعة منها سلفاً، ولا تحتاج إلى قرارات أو توجيهات إضافية، باستثناء ما يتعلق ربما بتشديد الرقابة، وضبط المخالفة عند وقوعها.
ليظهر بالنتيجة أن القرار أعلاه كانت نتائجه تشويشية أكثر من كونها توجيهية وضابطة، وموضوعة «منع أية حالات تلاعب وسرقة لمادة الطحين» ربما لا تقتصر على ساعات الليل، كما لا تقتصر على المخابز الخاصة فقط، مع عدم نفي التهمة عنها طبعاً، والدليل هو التأكيد على سجلات المطاحن ونقل الطحين نهاراً.
فقد سبق أن صدر قرار في بداية شهر شباط الحالي بما يخص التأكيد على مسك السجلات في المخابز ومتابعتها ورقابتها، بالإضافة إلى بقية السجلات والمتابعة بما يخص عمل المطاحن نفسها، ونقل الطحين عبر السيارات إلى المخابز، مع كامل الوثائق والثبوتيات اللازمة التي توضح الكميات والوجهة وغيرها من البيانات الأخرى، مع التأكيد على أن يكون ذلك خلال ساعات الدوام الرسمي، أي خلال النهار.
شبكات الاستغلال
التشويش الذي ترافق مع القرار أعلاه عند المواطنين كان المستفيد منه من الناحية العملية نفس شبكات الاستغلال من الخبز والدقيق التمويني، وليس العكس.
فقد تزايد الازدحام على المخابز، كما تزايدت معدلات الاستغلال من قبل بائعي الخبز أمامها وعلى النواصي، حيث ارتفعت أسعار ربطات الخبز التي تباع من قبل هؤلاء مباشرة، وصولاً لبيع الربطة بمبلغ 200 ليرة سورية للمضطرين من المواطنين في بعض الأحيان، هرباً من الازدحام وتبعاته، علماً أن الشبكات العاملة بالتجارة برغيف الخبز بهذا الشكل أمام المخابز الاحتياطية أكثر منها أمام المخابز الخاصة، وربما ذلك مرتبط بالمخصصات من الدقيق التمويني، وبكمية الإنتاج وساعات العمل اليومي، مع الأخذ بعين الاعتبار أن المخابز العامة وتحت الإشراف تنتج ما يعادل 80% من الحاجة اليومية للخبز التمويني، بينما تنتج المخابز الخاصة ما يعادل 20% تقريباً.
والمؤسف بهذا الصدد أن عمليات المكافحة ذات الطابع الشكلي لهذه الظاهرة الاستغلالية تطال البائعين الذين يشكل الأطفال نسبة كبيرة منهم، كحلقة أخيرة من حلقات السرقة والاستغلال لمادة الخبز والدقيق التمويني، والتي تكون بمواجهة مباشرة مع المواطنين ارتباطاً بالحاجة، ولا تطال المتعاونين معهم من داخل المخابز نفسها، وعلى كوات البيع، أو القائمين على حماية هؤلاء وتسيير عملهم، والأهم، أنها لا تطال الشبكات الاستغلالية الكبرى العاملة بعمق التجارة بالقمح وتهريب الدقيق التمويني والإتجار به في السوق السوداء.
المواطن مسؤول عن كل التبعات
أما الفاقع بهذا المجال فهو أن يستمر تكريس الكلام عن مشكلة الخبز كمنتج نهائي ربطاً مع الحديث عن هدر المواطنين لهذه المادة «المدعومة»، فقد نقل عن «مصادر في السورية للمخابز»، بحسب صحيفة تشرين منتصف شباط الحالي، أن: «هناك كميات كبيرة من هدر الرغيف في المنازل»، حيث تم اعتماد هذه الكميات بناءً على أرقام افتراضية، وبأن «هناك 15 مليون رغيف يومياً تذهب إلى حاويات القمامة وهذا أشد الهدر خطورة»، مع تكرار ذكر المليارات المخصصة لهذا الدعم، ومع غض الطرف عن كل حلقات الاستغلال والفساد الكبيرة لهذا الدعم وسرقته، اعتباراً من عقود شراء القمح وعمولاتها، مروراً بعمليات الطحن وآليات عمل الصوامع والمطاحن، وليس انتهاءً بعقود أكياس التعبئة للقمح والدقيق التمويني، مع عدم إغفال عقود وسائط النقل المرتبطة بكل هذه الحلقات أيضاً، ليظهر المواطن «المبذر» وكأنه مسؤول عن كل تبعات سلاسل الاستغلال والنهب والفساد السابقة، الصغيرة والكبيرة، علماً أن كل ذلك يجري على حسابه وباسمه وبالمزاودة عليه، مع تحميله عبء المزاحمة أمام المخابز، واضطراره لدفع مبالغ إضافية على سعر ربطة الخبز «المدعوم»!.
أما الخشية المشروعة بعد كل ذلك، أن تكون هذه المقدمات من أجل رفع قيمة ربطة الخبز على المواطنين، سواء بشكل مباشر عبر السعر، أو غير مباشر عبر الوزن، وكلا الاحتمالين سبق أن جرى تطبيقه خلال السنوات السابقة.
فهل من تشويش وفجاجة وتغطية على الفساد والاستغلال أكثر من ذلك؟!.

معلومات إضافية

العدد رقم:
954