التعليم الجامعي... الإنحدار مستمر؟!!

نتيجة للنمو السكاني توسعت جامعتا دمشق وحلب، كان الكادر التدريسي يتمتع بالرقي العلمي والأخلاقي وكذلك المناهج التدريسية، التي كانت صورة عن أرقى المناهج الدراسية، التي تدرس في الجامعات العريقة في العالم.

كانت مجالس تلك الجامعات تضم خيرة كفاءات الوطن الأكاديمية.

كما كان خريجو تلك الجامعات، يضاهون، بمستواهم التعليمي، من تخرجوا من أرقي جامعات العالم.

بداية الانحدار

بدأ الانحدار في أواسط السبعينات، عندما انتهى دور مجالس الجامعات والكليات أما دور وزير التعليم العالي، فلم يعد يتجاوز تقديم الخدمات. 

في أوائل الثمانينات يتخذ قرار سياسي، بإنشاء جامعتين أخريين في سورية، جامعة تشرين في اللاذقية، وجامعة البعث في حمص.

في واقع الحال، كان القرار أقرب إلى الارتجال منه إلى المدروس، لما يلي من أسباب:

الجامعة ليست أبداً مباني وكليات وقاعات محاضرات وغرف تدريس ومخابر! هذا يمكن أن تبنيه، أو أن تستخدم مباني مؤقتة، ريثما يتكامل البناء، إنما الأهم بالمطلق، هو الكادر الأكاديمي، الذي سيتتلمذ على أيديه أجيال من الاختصاصين، لها الدور الأهم في عملية التنمية. 

ما حصل كان افتتاح جامعتي البعث وتشرين، بدون وجود كادر تدريسي مؤهل، حيث تمت الاستعانة، بالخبرات المحلية من اختصاصيين غير مؤهلين أكاديمياً للتدريس الجامعي، وللحقيقة والتاريخ كان يأتي بعض الأساتذة من جامعة دمشق، لكن الكادر التدريسي في غالبيته وبنسبة عالية، كان غير مؤهل.

ولم تزل في البال تلك الأيام يوم تم اختيار الكادر التدريسي على صعيد كلية الهندسة في حمص، من مهندسين لا يملكون حتى أي نفس علمي للتدريس، حيث تم اختيارهم باعتماد معايير الانتماء السياسي.

تأهيل كادر تدريسي

بعد أن تخرجت الدفعات الأولى من خريجي الجامعتين المحدثتين، تم إرسال من تمتع برضى المسؤولين والمؤلفة قلوبهم إلى بعثات دراسية، إلى دول أوروبا الشرقية، كانت تلك الدول والأنظمة في العشر الأواخر من عمرها، حيث نخرت البيروقراطية والفساد جذور تلك الأنظمة، كما لم تكن المؤسسات الأكاديمية بمنأى عـن ذلـك.

عادت تلك الكوادر إلى الوطن وهي تحمل شهادة كانوا يطلقون على شهاداتهم اسم  (كانديدات)، وكلمة كنديدات تعني باللغة الروسية مرشح، وكان هناك شهادة مرشح بالعلوم التكنيكية، تعطى للمهندسين باختصاصاتهم المختلفة، وشهادة مرشح تعطى في كافة العلوم، بما فيها العلوم الإنسانية.

كان واقعا مريراً ومؤلماً شباب في مقتبل العمر عادوا يحملون شهادة مرشح أطلقوا عليها في الوطن شهادة دكتوراه، غير أنها في واقع الحال أقرب إلى الماجستير، على الرغم من سنوات الدراسة الأربع، نصبوا أنفسهم أو نصبوهم أساتذة (دكاترة).

وباعتباري خريج دولة اشتراكية منذ أواسط الستينات، فلدي كل الخبرة عن تلك المراتب العلمية.

منظومة التعليم الجامعي في الدول الاشتراكية سابقاً

تخضع منظومة التعليم الجامعي في الدول الاشتراكية سابقاً، إلى تسلسل هرمي في كافة أقسام التعليم في الجامعة تبدأ من:

1 ـ المعيد: وهو خريج جامعي حصل على مرتبة كانديدات، وكنت قد نوهت عن تلك المرتبة.

يرتقي المعيد إلى مرتبة معيد متمرس عبر أبحاث ودراسات يقوم بها، في القسم الذي يعمل فيه، حيث يقدم بحثاً يخضع للمناقشة والتقييم، يصار بعدها إلى منح المرتبة.

تلي مرتبة المعيد المتمرس مرتبة المعيد الرئيسي وهي تمنح على ضوء أبحاث ودراسات كالمرتبة السابقة.

ملاحظة: إن دور المعيد بكافة مراتبه محصور بالدروس العملية فقط، أما خلال المحاضرات، فقد كان المعيدون يجلسون في الصف الخلفي من قاعة المحاضرات مع الطلاب، ليستفيدوا من خبرات المحاضرين، وأساليبهم في إعطاء الدروس وتقريب المفاهيم العلمية المعقدة من مدارك الطلاب.

2 ـ المدرس: وهي مرحلة تلي المعيد الرئيسي يتم الوصول إليها عبر أبحاث ودراسات يقدمها في القسم وفي هذه المرتبة يسمح بإلقاء المحاضرات على الطلاب، وهي في الواقع أدنى رتبة بين من يسمح لهم بإلقاء المحاضرات على الطلاب.

تليها مرتبة المدرس المتمرس كذلك يتم الوصول إليها عبر أبحاث ودراسات ضمن القسم.

3 ـ الأستاذ المساعد: هذه المرتبة يتم الوصول إليها عبر بحث علمي مميز، يتم نشره في منبر علمي عالمي ويناقش، ليصار لاحقاً لمنح الرتبة.

4 ـ الأستاذ (البروفيسور): الوصول إلى مرتبة الأستاذ يتطلب العديد من الأبحاث والمؤلفات والاكتشافات الجديدة، وهذه المرتبة يتم منحها من مؤسسة تدعى أكاديمية العلوم، حيث يخضع الراغب في الحصول عليها إلى أقسى أنواع المناقشات، ويتم التصويت على المنح بالاقتراع السري.

ملاحظة: البروفسور ليست مرتبة تدريسية وحسب، يمكن الحصول عليها من أناس لا يعملون في التدريس، مع شرط أن يكون البحث العلمي المقدم يستحق المرتبة.

5 ـ الأكاديميك: هذه المرتبة العلمية يتم الوصول إليه عبر الاكتشافات العلمية غير المسبوقة في مجال الاختصاص.

كانت المراتب السابقة في العمل التدريسي الجامعي تراعى، بشكل دقيق، لجهة الكفاءة أولاً، والنظام الدقيق  الارتقاء بين المراتب.

العملة الرديئة تطرد العملة الجيدة

إن مبدأ طرد العملة الجيدة من السوق على ما يظهر، ليس مبدأً اقتصادياً وحسب، إنما مبدأ ينطبق على كافة نواحي الحياة، وذلك في حال انعدام الضوابط والمعايير.

لقد عانت منظومة التعليم الجامعي في سورية ما عانت، فقد كانت المنظومة، تخضع إدارياَ لوزارة التعليم العالي.

أما على الصعيد السياسي، فقد خضعت لمكتب التعليم العالي في القيادة القطرية لحزب البعث، حيث اتبع المكتب المذكور سياسة جعل الكادر التعليمي الجامعي من البعثيين.

من بقي في الوطن من الكادر التدريسي الجامعي، كان في الغالب من خريجي منظومة الدول الاشتراكية، في العشر الأواخر من عمرها، حيث كان الفساد والبيروقراطية، وكافة أمراض الأنظمة الشمولية قد نخرت أجساد تلك الدول، بما فيها المؤسسات الأكاديمية، وكلنا يعلم أن الموضة التي طغت في تلك الحقبة، أن يضع المسؤولون قبل أسماءهم حرف (د) أي دكتور، وأصبحنا نرى شهادات عالية في الأدب العربي، من جامعة بوخارست أو صوفيا أو يريفان، وغيرها من الجامعات.

المقررات التدريسية والضوابط الأكاديمية

كما أسلفت سابقاً فإن أي كلية جامعية  تدرس عدداً من المقررات، ومواد الاختصاص، بحيث أن لكل مادة تدرس هناك قسم، يعتمد كتباً ثابتة لتدريسها، وما استجد من مواضيع، يقوم البروفسور بإعطائها للطلاب أثناء المحاضرات، حيث يتم تغيير الكتاب التدريسي كل خمس سنوات، ليصدر كتاب يحتوي على المستجدات.

الكتاب الجامعي والتراجيديا الكبرى

الكتاب الجامعي في جامعاتنا، معدوم تقريبا، إلا ما رحم ربي، حيث تمت الاستعاضة عنه بما يسمى النوته، وهي مجموعة من المحاضرات. يعدها المحاضر (الأستاذ) ـ إذا كان يستحق اللقب ـ تطبع  وتوزع على الطلاب تحت اسم الكتاب الجامعي، ولقد أتيح لي الاطلاع على العديد منها، لقد كانت خالية تماماً من أي توثيق أو إسناد مرجعي للموضوعات بحيث يمكن للطالب في حالة رغبته في التوسع بأحد الموضوعات، معرفة اسم المرجع، وهذا ما يوقف ملكة البحث العلمي والتقصي والغوص في بطون الكتب بحثاً وتمحيصا، لأن العلم والارتقاء المعرفي عملية تراكمية.

وفي العام التالي يأتي أستاذ آخر لتدريس نفس المادة، فيفرض نوتة جديدة من تأليفه ممسوخة عن سابقاتها، لا لسبب إلا كي يتقاضى ثمن إعداده لها، وتستمر العملية دون رادع أو ضابط، فالأستاذ مدعوم محسوب على أحد الأبوات، القابعين في موقع القرار.

الجامعات وروح البحث العلمي

من المعروف عالميا، أن الجامعات المحترمة، تؤهل طلابها وهم على مقاعد الدراسة، بتنمية ملكة البحث العلمي لدى الطلاب، وذلك تحت إشراف كبار الأكاديميين، كانت تقام حلقات البحث، والتي كثيراً ما رفدت محيط المعرفة، بقطرات يضيفها الشباب إلى ذلك الخضم الهائل، كان كبار الأكاديميين، ينشرون أسماء من ساهم بالبحث من الطلاب، حفاظاً للأمانة العلمية والأخلاقية.

ويبقى السؤال:

أين نحن من هذا وذاك؟؟؟

قد يقول قائل:

نعم يقوم بعض الأساتذة بتكليف الطلاب، ببعض المشاريع ففي كليات العمارة والهندسة المدنية، يكلف الأساتذة طلابهم بدراسة أجزاء من مشاريع كبيرة،. وهنا أقول أنهم يقومون بإنجاز ما يجب أن يقوم أستاذهم من عمل يتقاضى عليه الملايين، يتقاسمها مع لجنة تحكيم الدراسة، ويبقى لهؤلاء الطلاب، ابتسامة بلهاء من أستاذهم إذا صادفهم في أروقة الجامعة.

الامتحانات والمهزلة الكبرى

وهنا أتذكر أبياتا من الشعر تعلمناها منذ أواخر الأربعينات من القرن المنصرم، قالها أمير الشعراء أحمد شوقي:

قم للمعلم وفٍِّهِ التبجيـــــــــــلا

                 كاد المعلم أن يكون رسـولا

أرأيت أشرف أو أجل من الذي

                 يبني وينشئ أنفساً وعقولا

وهنا لابد من الاستغفار والحوقلة والدعاء.

اتساءل هل خلا مجلس من الحديث عما آلت إليه أحوال الامتحانات في جامعاتنا، كم فتى أو فتاة أجهشوا بالبكاء حيث تم ترسيبهم بدون ضمير، ادفع تنجح وإلا ترسب، وطريق النجاح معروفة، لكل مادة ثمن ولكل أستاذ مفتاحه.

طرحت موضوع بيع الامتحانات والفساد والرشوة في جامعاتنا، أمام أحد من يضعون قبل أسمهم (د) أي دكتور وهو ممن يطلق عليهم أستاذ جامعي، ويشغل منصباً سياسياً هاما، فكان جوابه، هات الدليل والبينة!!!

أمام ما سمعت قلت له سأروي لكم هذه الحكاية الشعبية:

إدعى أحدهم لدى قراقوش بأن إحدى النساء في حارته تتعاطى الدعارة، وتقلق راحة الناس بضوضاء زبائنها، فأُتي بالمرأة إلى قراقوش وعلائم الحمل بادية عليها في أيامه الأخيرة، ثم أتى بشهود ثقاة أدلوا بشهادتهم بأنهم يعرفون المرأة وهي ليست على عصمة رجل منذ أكثر من ثلاث سنوات، فما كان من قرقوش، إلا إن قال:

 أي بينه لديكم بحق تلك المرأة، أين الشهود العدول لإثبات الزنى؟؟!!.. 

أفلا تعلم يا صاحب المنصب الكبير، أن كلمة المنصب في عصرنا، أصبح لها مفهوم آخر، غير ما كانت تعتمده لغة القرآن الكريم، بحيث أصبحت تشتق من فعل (نَصَبَ) وهذا الفعل يتداوله العوام هذه الأيام، بمعنى ابتز، وسرق بعلم المسروق، وأجبر صاحب الحاجة على دفع رشوة عنوةً للحصول على حاجته التي أقرها له القانون والشرع ؟؟.

أفلا تعلم يا صاحب المنصب الكبير، أن الرشوة تتم ضمن جدران مغلقة، ومزارع وارفة وسلاف فرنسية معتقة وويسكي ثمن الزجاجة راتب موظف جامعي لمدة شهرين، وسيجار دافيدوف فاخر، وسيارات فارهة، لها زجاج دخاني اللون وستائر مسدلة ونساء معطرات، عن الصدور والنحور والسيقان وما فوقها مسفرات، سبحان الله  لكن رائحتها تفوح لتزكم الأنوف؟؟؟ 

أفلا تعلم يا صاحب المنصب الكبير؟؟؟...!!!

السكن الجامعي والابتزاز القميء

على غرار ما كان في دول المنظومة الاشتراكية سابقا، تم بناء بيوت للطلبة الجامعيين، أطلق عليها السكن الجامعي، كانت آخر معايير القبول الاستحقاق والوضع الاجتماعي للطالب أو الطالبة، وكم من الفضائح الأخلاقية كانت روائحها تزكم الأنوف، وكم من المسؤولين المشرفين على السكن الجامعي، استغلوا فقر بعض الطلاب والطالبات  وعوزهم، بحيث برزت ثنائية المال والجنس، كان أمام بعض الطالبات الفقيرات طريقان، إما الذهاب إلى فراش أحد المسؤولين عن السكن الجامعي، أو الذهاب إلى أحزمة الفقر في ظاهر المدينة، لتجد مكاناً لدى عائلة تحتضنها خلال أشهر الدراسة، أما الطلاب من الذكور فكانت تفرض عليهم الإتاوات، والجعالات المادية التي طالما أرهقت كاهل أهل الطالب، كان الحلم الكبير لأهالي الطلاب الفقراء بأن يكون من أسرتهم خريج جامعي، كانوا يقطعون اللقمة عن أفواههم، ليرسلوها إلى مؤسسة الفساد في السكن الجامعي.

كل ذلك جرى في ظل الشعارات الكبيرة عن المنظمات الشعبية وعن الفلاحين والعمال ودورهم القيادي في الدولة.

منظومة التعليم الجامعي وإفساد الإنسان

أمام كل ما ذكرت، ترى أي صورة تبقى لدى طالب جامعي غض الإهاب، يوم فتح عينيه في مؤسسات بناء الإنسان على ثنائية الجنس والمال، تستهتر بكل القيم التي تربى عليها ذلك الشاب أو الشابة في منازلهم.

أي مفاهيم ترسخت في كيانه الغض عندما يصبح الأستاذ والمربي صاحب دكان تبيع الامتحانات والأسئلة.

أي روح وطنية ستغرس في كيانه أو كيانها، عندما ترى أو يرى بأم عينيه أن كل شيء قابل للبيع، حتى كرامة الإنسان.

أي إنسان نعده لبناء الوطن، هل ذلك الذي سقطت كل القيم لدى أساتذته الذين يفترض بهم أن يكونوا مربين، لا أن يعرضوا ضمائرهم للبيع.

أي إنسان نعد لبناء الوطن، هل ذلك الذي قفز بالمظلة، ليدخل كلية الطب، أم ذلك المدعوم صاحب التفوق بدعمه، أم ذلك الذي لا يعرف قاعة المحاضرات أين تقع، ويحصل على أعلى العلامات، ويتأهل بقدرة قادر، ليحصل على المنحة لمتابعة تحصيله فوق العالي، ليعود (فهيم ابن أبو فهمي)، ثم يحدث له منصب مدير عام ليسرق وينهب ويمارس جهله ولصوصيته وبيروقراطيته.

حلول مقترحة

1 ـ إبعاد تدخل أي جهة غير علمية في شؤون الجامعات.

2 ـ تعيين مجلس أعلى للجامعات من الكوادر الأكاديمية المشهود لها بالكفاءة ونظافة الكف ونقاء الضمير، خاضع مباشرة لرئاسة الجمهورية، يتمتع بصلاحيات مطلقة، مهمته توجيه السياسة الأكاديمية بكامل ما تعنيه الكلمة من معنى، على مستوى جامعات البلاد، سواءً اختيار الكادر التدريسي أو وضع الاستراتيجيات التعليمية، ريثما يتم تكوين بنية هيكلية أكاديمية، تتولى الأمور، وتكون منتخبة بانتخابات حرة ونزيهة.

 3 ـ حصر مهمة وزارة التعليم العالي، بتقديم الخدمات والخدمات فقط، للجامعات.

نداء إلى السيد الرئيس

الكل يعلم في هذا الوطن، أنك حصلت على مؤهلك الأكاديمي بجهودك وكفاءتك، والكل يذكر أخلاقك الحميدة وترفعك عن المظاهر والقفز فوق رقاب الناس، التي كان يمارسها حتى أبناء الحُجاب لدى كبار المسؤولين.

وذهبت للاختصاص في بريطانيا، وأعطيت كل انطباع رائع عن الوطن وأبنائه هناك.

أناشدك الآن أن تبدأ بعملية الإصلاح، التي تبدأ بإعادة تأهيل الإنسان بعدما أفسدته معايير التخلف والبيروقراطية والفساد.

وأما ما ينفع الناس فيمكث في الأرض وأما الزبد فيذهب جفاء..ً 

■ المهندس: روفائيل جورج خماسميه

 

 ■ كاتب ـ حمص