الإعلام السوري.. أسئلة أكثر إلحاحاً (2 من 2) ملمح خاطف من تجربة مريرة:

وإذا كنت أتحاشى هنا ذكر الكثير من تجربتي المريرة مع الإعلام، فانني أتذكر أن مواد لي اوقفت (في الثمانينيات من القرن الأخير  في الالفيه الثانية  -كمثال يمكن قوله بسبب مايسمى بالتقادم قانونياً) في صحيفة أكتب فيها منذ حوالي ربع قرن كمستكتب خارجي،  ولفترة طويلة  - لأنني أوردت رموزا كردية - نوروز-النار-الجبل00000الخ - في إحدى موادي، فصار ينظر إلي كأحد المجرمين!!،

واذا كان الشيء بالشيء يذكر، فلازلت اتذكر ماقام به رئيس فرع اتحاد الكتاب في احدى المحافظات (وكان شاعراً) حيث دبج كتاباً ورفعه الى الجهة التي نشرت لي قصيدة مهداة الى جكرخوين -على انه شاعر كردي ممنوع ,وتم بالتالي تكليف احد الكتاب البلطجيه ,لكتابة مادة تسيء الي وهذا ماتم. الى ان فضحه كلُ من الكاتبين نادر السباعي ونهاد سيريس. ليتم انصافي... معنوياً...

وإذا كان انحدار الخط البياني للصحافة المحلية إلى حد مروع يستثير أسئلته المشروعة، إلا أن الوضع الاقتصادي للصحافي - النـزيه - بائس، أسوة بالوضع الاقتصادي العام للمواطنين. فالصحافي بحاجة يومية إلى نفقات إضافية، تمكنه من التقاط المعلومة من مظانها، بل وضرورة شراء الصحف والمجلات ومتابعة الانترنيت، ناهيك عن أن بؤس وضعه الاقتصادي يلقي به لقمة سائغة في فم إعلام البترودولار، ليكتب رغم أنفه مواد حسب الطلب، وذلك على حساب مستوى ما يقدمه لصحافته المحلية، وثمة كثيرون من صحافيينا يعلمون أن ما يصلهم من مكافآت لقاء زاوية سريعة في إحدى هذه المنابر، يعادل راتبه لمدة شهرين!! طبعاً أن العلاقة بصحافة عربية  كهذه تجيء على حساب الكرامة الشخصية لهذا الجندي المجهول...

بعض التفاصيل - بعض الأسباب:

لقد بات ملحاً، ونحن نجد هذه التحولات الهائلة على كل الصعد، بل وهذه التحديات الخارجية التي تجد لنفسها مداخل سهلة من خلال الانتهاكات الفظيعة على مختلف الصعد،  والتي لا يمكن أن تتماشى، على غرار ما كانت عليه خلال عقود خلت، وينبغي إنهاؤها، ولعل سؤال الإعلام أحد الأسئلة الأكثر إلحاحاً التي يجب التوقف عندها، ومعالجتها، انطلاقاً من المصالح العليا.

إن - قانون المطبوعات - الحالي، ينبغي التفكير الجدي بالمبادرة وبالسرعة القصوى لإلغائه، لما يلحقه من أذى وضرر بالإعلام، بل وبأحد الحقوق الرئيسية للمواطن ، ووضع آخر بديل عنه يتماشى مع كرامة المواطن والصحافي والوطن.

ومن هنا ينبغي تفعيل دور اتحاد الصحافيين، ليكون مرجعاً لجميع العاملين في هذا الحقل للمطالبة بحرية كلمتهم، وتحريرها من القيود اللامتناهية التي تتنامى لدرجة عدم إكتفائها بخدمة مصلحة رئيس القسم فحسب، بل بواب المدير العام، وربما عامل البوفيه في الجريدة أيضاً.

أتذكر - عندما قلت في أحد مقالاتي ذات مرة - وبعيد صدور قانون المطبوعات إن هذا القانون هو من أسوأ قوانين المطبوعات في العالم تخلفا، ناقشني أحد الزملاء العاملين في حقل الصحافة مقدماً التسويغات لمثل هذا القانون، مشيراً إلى ان هناك كتابات جريئة تكتب بين حين وآخر بأقلام معروفة دون أن ينال من أصحابها أحد،  بل هي محط احترام..!!

ان مثل هذه العقلية طبعاً كانت ولا تزال تهيمن على أعداد من الصحافيين،  لا سيما هؤلاء الذين في مواقع المسؤولية الإدارية، أو طوابير ممن جاؤوا طارئين على هذه المهنة، وليس في نيتهم أصلاً إلا أن تكتب أسماؤهم بحبر المطابع وتنشر صورهم الشخصية في إحدى زوايا مقالاتهم التي لا تثير في القارئ أي دافع لقراءتها.

ولكي أكون منصفاً هنا، فان هذه الظواهر السلبية في عالم الصحافة أشار إليها عدد من كتابنا الغيارى. فلقد كتب ممدوح عدوان في النصف الثاني من ثمانينيات القرن الماضي في جريدة - الأسبوع الأدبي - متحدثاً عن هؤلاء الطارئين على عالم الصحافة بما معناه:

ان أحد الشباب المدللين يأتي إلى دمشق بغرض متابعة دراسته الجامعية،  فيحمله أبوه رسالة إلى قريب - أو صديق له ذي سطوة ونفوذ في العاصمة، كي يوجد لـه عملاً، وعلى الفور يخيره صاحبُنَا هذا، العمل بين إحدى مؤسستين على سبيل المثال: الخضار والفواكه أو الصحافة، فيختار هذا الولد المدلل مؤسسة الصحافة دون تردد!! ودون أن يكون قد عرف عن الأدب إلا ما قرأه في منهاج البكالوريا !! وهكذا يصبح صاحبنا هذا محرراً مرموقاً في صحافة هذه الأيام!!

ولكم حزّ في نفسي عندما وجدت منذ أشهر في إحدى صحفنا اليومية في دمشق - صحافياً عريقاً من خارج الجريدة - يساوم أحد قيمي الجريدة الطارئين من أجل نشر مواده وهو يتحدث وبملء فمه صراحة، أن العوز وضيق ذات اليد وتأمين متطلبات الدارسة للأولاد،  يدفعانه لكي «يتنازل» للنشر على هذا النحو..!! ولعل سوء الواقع المعاشي للصحافي ــ ملح المجتمع ــ يدفع بعضهم للكتابة بإسم زوجه، أوحماته، لصحف خليجية تهتم بالمواد المكتوبة بأقلام أنثوية، بل ان بؤس هذا الواقع الاقتصادي هو الذي لايزال وراء هجرة خيرة العقول والاقلام الوطنية على حساب صحافتنا السورية.

أجل، ان اتحاد الصحافيين ينبغي أن يلعب دوره كممثل فاعل عن سلطة رابعة في البلاد، من خلال المساهمة وبإلحاح لخلق المناخ الديمقراطي للكاتب والقارئ في آنٍ واحد، لاسيما اننا نجد بعض الوزارات التي تعرقل عمل الصحافيين من خلال  تعميم كتب تقتضي عدم التجاوب معهم، من قبل الدوائر والمؤسسات التابعه لها، أن الصحافيين الذين يكتبون بوحي من ضمائرهم، وينشرون «بعض» ما يريدون قوله عبر «بعض» وسائل الإعلام غير الرسمية، والرسمية، في أحايين قليلة جدا، إنما يدفعون ضريبة مستمرة تطال لقمتهم، بل ومستقبل أبنائهم، وبدهي أن يتم التعتيم على أحد أقدم صحافي في محافظة ما، «مقابل تكريم صحافيين جدد» نتيجة مواقفه التي استدرت عليه نقمة أولي الأمر.

وفي هذا المقام، ان تسوية وضع الصحافيين غير العاملين في الصحف ممن يسمون بـ: المشاركين ينبغي أن تتم حالا، فهناك بعض هؤلاء من نال العضوية كمشارك منذ حوالي عشرين عاماً - كما هو حالي - دون أن يتم الالتفات إليهم ومساواتهم في الحقوق مع أي مصور  صحفي  أو متمرن لا تزيد تجربته عن عام واحد، وحتى التفكير بآلية إحضارهم لأي مؤتمر، ولقد كتبت منذ سنوات - بهذا الخصوص - وذلك عشية عقد أول مؤتمر للاتحاد، بل  وكتبت في ما بعد إلى وزير الإعلام الحالي منذ أكثر من سنتين دون أن يرد علي أحد حتى الآن..!!

أما بخصوص العمل في الصحف الرسمية، فهو كما كان يقال لنا، أحد ضروب المحال، فوراء كل صحفي إما.... أو مصادفة لا تتكرر، كما حصل مع بعض الصحفيين عقب حرب تشرين 1973، حيث هناك عشرات الصحفيين الذين خرَّجتهم كلية الصحافة  منذ سنوات، ويعانون البطالة، ولقد التقيت أحدهم وكان يعمل في أحد الأفران ليلاً.، ويبيع الخضار نهارا، مع ان له زملاء من دفعته نفسها، وأقل امكانات وخبرة منه، غدوا من اكثر الملمعين  محلياً وعربيا، وبخصوص الصحف المحلية في بعض المحافظات، نجد انه يتم الإشراف عليها من قبل «المكتب التنفيذي» وبهذا فهي ستغض النظر عن أخطاء الرؤوس الكبيرة حرصاً على استمرارية أعضائها،  فلقد تم منع صحفي عن الكتابة في إحدى المحافظات - وهو مراسل لصحيفة في دمشق - لأنه كتب ما لا يراه المحافظ..!!

وإذا كانت هناك محافظات مثل: حلب - حمص - حماة - طرطوس - اللاذقية - دير الزور.. لها صحفها الخاصة، فان محافظة مثل - الحسكة - هي أبعد نقطة جغرافية في سورية، وتنتج ثلث اقتصاد البلد من نفط وزراعة وخيرات أخرى وهي أكثر حاجة لصحيفة محلية،  بيد أنها لا تزال دون صحيفة.. رغم «مطالبتنا المستمرة» بذلك منذ سنوات طويلة، بل ورغم أن عدة صحف ومجلات كانت تصدر في مدينتي: القامشلي - الحسكة - في أربعينيات وخمسينيات القرن الماضي وبالتوازي مع صحافة العاصمة دمشق!!

ان منح الرأي الآخر - عبر وسائل الإعلام - المجال الرحب بالموازاة مع الرأي، دون ممارسة العسف في التنطع لمناقشته، كي يكون الدافع إلى ذلك استقراء الواقع، واستنباط الحلول الجدية لمعالجة مواقع الخلل، وعدم إبقاء أية صوى وحدود وألغام في وجه الكلمة الصريحة، الصادقة، الغيورة على المواطن والوطن، لابدّ سيسهم في إرساء دعائم مرحلة جديدة في ظل الديمقراطية، والعدالة الاجتماعية، وسيادة القانون، وإلغاء الأحكام العرفية وقانون الطوارئ،  في ظل إصدار قانون الأحزاب، والإقرار بتعددية سياسية غير عرجاء، والسماح للاثنيات الأخرى: كرد - آشور - ... إلخ ممن لهم وجود حقيقي في البلاد بإصدار صحافتهم وبلغاتهم،  وهو إثراء للثقافة (الوطنية) لا إلغاء لها، أجل إن كل ذلك سيسهم في تعزيز أفضل أشكال الوحدة الوطنية المنشودة في وجه كافة التحديات الخارجية، ولكي نعيش في بلدٍ حصين - بحقً - يشعر فيه كل أبنائه بمسؤولياتهم الحقيقية من أجل صونه وتطويره وحمايته، لا أن يُشعر فيه بأنه مجرد سجن كبير، و معذرة عن اللجوء الى هكذا مجاز..

 

■  إبراهيم اليوسف