حمد الله ابراهيم حمد الله ابراهيم

مجانين عامودا مرة ثانية..

 - (سمو) و(حيندر) من أكثر مجانين عامودا شهرةً، كل منهما كان أكثر جنوناً من الآخر، وغالباً ماكان يحدث خلاف بينهما، وهذا الخلاف في أكثر الحالات كان يؤدي إلى التضارب بالأيدي، وقد يتطور إلى الضرب بالعصي والسكاكين.

وبعد تدخل المجانين بينهما لحل هذا الخلاف، وقعت اتفاقية بينهما تنص على تقسيم عامودا إلى قسمين، قسم شرقي تابع لحيندر، وقسم غربي تابع لسمو، واعتبار نهر عامودا الذي يمر وسط مدينة عامودا من الشمال إلى الجنوب الحد بينهما.

ولكن هذه الاتفاقية ولدت ميتة، ولم يُكتب لها النجاح. وبعد فترة من الزمن تم توقيع اتفاقية ثانية تنص على تقسيم عامودا إلى قسمين، شمالي تابع لحيندر، وجنوبي تابع لسمو، واعتبر طريق درباسية - عامودا- القامشلي الحد الفاصل بين المنطقتين.

وقد تم الاتفاق على ذلك كما يتفق أفراد الحزب الواحد على تقسيم حزبهم إلى حزبين، وكل حزب يقسّم بعد فترة إلى حزبين.. وهكذا إلى عدد لا نهاية له من الأحزاب، فأصبحت المنطقة الشمالية لحيندر، والمنطقة الجنوبية لسمو، وبما أن المنطقة الجنوبية فيها البلدية والمخفر والكراج والمدارس، وهي مركز المدينة ونقطة عبور إجباري، لذلك فقد حدث احتكاك غير محسوب.. ففي يوم من الأيام كان سمو جالساً في ساحة البلدية، مسنداً ظهره إلى جدارها، ووجهه إلى الشمس الساطعة, ولكن ما إن رفع رأسه حتى وقع نظره على عدوه اللدود حيندر، وهو يتجه نحو الكراج، فجن جنونه، وهاجمه كالوحش الكاسر، وطعنه بالسكين في ظهره مات على إثرها بعد فترة وجيزة من المعالجة.. ولكن قبل الممات تم سجن الاثنين وتحويلهما إلى محكمة الصلح في عامودا.. وبينما هما في الطريق إلى المحكمة والقيد يجمع بين أيديهما قال سمو لحيندر: اسمع يا أخي حيندر، إننا ذاهبان الآن إلى المحكمة، وسوف يسألنا القاضي عما جرى بيننا, فإياك أن تقول إن سمو قد طعنني من الخلف، بل قل له إنه هاجمني وجهاً لوجه، لأن الغدر ليس من شيم الكرام، وإلا سنبقى في السجن مدى الحياة!!.

- ذات زمان مضى، كنا متفقين على أن نسهر كل شهر مرة أو مرتين، وكل واحد منا، كان يدفع من 2- 3 ليرات سورية.. فتلك كانت أيام عز، أيام كنا طلاب جامعة وبالوقت نفسه كنا معلمين وكلاء في تربية الحسكة، والراتب كان ما بين 185-200 ليرة سورية، وكنا نشتري بهذا المبلغ الكتب الجامعية والمراجع والمجلات والكتب السياسية، وندفع أقساطنا، ونلبس أجمل الملابس، ونوفر جزءاً من راتبنا للمستقبل حيث كان سعر الكغ من اللحم الضان بـ50 قرشاً سورياً، والبندورة بـ15ق.س

والخيار بأقل من ذلك، والفواكه والحمضيات بـ20 قرشاً، ولتر العرق بـ70 قرشاً.. وبينما كنا في سهرة مسائية في بيت أحد الرفاق نأكل ونشرب، جاءنا (أحمدي دين)، أي أحمد المجنون رحمه الله، فدعوناه للمشاركة، فبدأ يأكل ويشرب، متعجباً من الحوار الذي نتناوله (لأننا كنا متفقين على عدم التحدث بالسياسة أثناء المشروب)، فسأله أحد الرفاق يا أحمد مَن مِن أهالي عامودا يجب إدخاله إلى العصفورية؟ (أي مشفى الأمراض العقلية)، فأجاب لا أحد!. فسأله الرفيق كيف لا أحد يعني؟ أما في مجانين بعامودا؟ قال أحمد: بلى، ولكن يجب أن نسور عامودا كلها ونسميها عصفورية!!

- الخبز الغذاء الرئيسي لسكان عامودا مع الماء، وسعر الكغ من الخبز في الأفران الخاصة من 20-25 ل.س لأن الخبز يباع بالرغيف، وسعر الرغيف خمس ليرات سورية، وكنا نقف أمام الأفران أكثر من ساعة حتى نحصل على خبزنا، والعمال الذين يعملون في هذه الأفران لا تتوفر فيهم الشروط الصحية، فأظافرهم طويلة، ولا يلبسون القفازات البلاستيكية بأيديهم، ولا يضعون غطاء على رأسهم، ومعظمهم أطفال لا يعرفون معنى النظافة، وكلهم يدخنون، العجّان يدخن، والذي يقطع العجين يدخن، والذي يفرش العجين يدخن، والذي يدخل العجين إلى الفرن يدخن أيضاً، وغالباً ما يسقط رماد الدخان وأعقاب السكاير بين العجين، وإذا ذهبت لتشتكي على الفران، قالوا لك: قدم شكوى رسمية ضد هذا الفران!! وعندما تسال: ألا تعلموا أن الأفران الخاصة تبيع الخبز دون وزن ولا تتوفر فيها الشروط الصحية أجابوا بلى، ولكن (هيك) القانون.. نحن مجانين عامودا لا نطالب بخفض سعر الخبز , ولا نطالب بإعطاء الخبز بالوزن، ولا نطالب بالنظافة, فقط نطالب باحترام الناس.

في يوم من الأيام نبهت صاحب الفرن بأنني مستعجل وتأخرت عن الدوام وناولته 25 ل.س، وسألته إذا كان بالإمكان إعطائي الخبز بشكل سريع. ولكن بعد مرور حوالي ساعة وأنا في انتظار الدور جاء رجل من الأمن، فرحب به صاحب الفرن وناوله الخبز المنقى رغيفاً رغيفاً، وأعطاه إياه بكل أدب واحترام، وهنا ناديته: يا أبا فلان: (ما إجا دوري؟)، فنظر إلي نظرة احتقار، وناولني خمسة أرغفة، قسم منها عجين والقسم الأخر محروق، ورماها في وجهي وقال: (العمى!! تقول بلكي نحنا باعتين وراكم!؟.. لا تجو لعنا خيو!!) .

 

■ عامودا- حمد الله إبراهيم